كيف خدم المتطرفون السنّة مخططات الحرس الإيراني

11

الإيرانيالعلاقة بين إيران الشيعية والكثير من التنظيمات الجهادية السنية ظلت قاتمة لفترة طويلة، ومتناحرة في الظاهر ومتحالفة في الباطن، حتى بدت تجليات عديدة لنوعية العلاقة تتوالى، لتؤكد أن هناك مصالح كبيرة متبادلة بين الجانبين، تمنح لكل طرف فرصة لتحقيق الأهداف بالطريقة التي يريدها.

لم يعد التيقن من علاقة طهران بعدد من التنظيمات السنية المتطرفة، محل نقاش، فقد وجد كل طرف في الآخر شيئا حيويا مما يريده، وبصورة عمقت الروابط بينهما، وخلقت شبكة جيدة من المصالح استفاد منها الطرفان.

يدور ما يشبه الفرز على ضوء تدخل الولايات المتحدة بثقلها لوضع حد للتوغل الإيراني الذي يعتمد على بعض الأذرع التكفيرية السنية، واستمرار هذه العلاقة يؤدي حتما إلى تخريب ما تقوم به واشنطن وحلفائها، ولذلك من الضروري شق جيوب هذه العلاقة التي يمكن أن يكون وجودها ونموها جاءا عن قصد أو جهل من قبل زعامات أميركية سابقة.

عكست ردود أفعال الجهاديين السنة على مقتل القيادي بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في 3 يناير الماضي مدى تداخل أنشطة التنظيمات المسلحة السنية والشيعية، لا في الشرق الأوسط فحسب بل في مناطق بعيدة.

أعربت حركة طالبان الأفغانية عن حزنها لمقتل سليماني، واصفة الهجوم الأميركي عليه بـ”الهمجي”. وسبقت حركة الشباب الصومالية الحرس الثوري الإيراني في الثأر لسليماني وتبنت هجومًا ضد قاعدة أميركية في كينيا.

وفي ظل صمت القادة الفعليين لهيئة تحرير الشام، خرجت قيادات منفصلة عن الهيئة معربة عن ابتهاجها بالحدث وتصويره كما لو كان انتقامًا لأهل السنة في الشام، فقد وصف عبدالله المحيسني الحدث أثناء إلقائه خطبة الجمعة التالية في إدلب بالبشرى العظيمة للمسلمين ولأهل الشام خاصة، وأباح أبواليقظان المصري المفتي الشرعي السابق بهيئة تحرير الشام الفرح لمقتل سليماني حتى لو تم قتله على يد الأعداء.

يعود تنوع ردود أفعال أجنحة تنظيم القاعدة إلى طبيعة نشاط البعض منها في الوقت الحالي، فمن كان لا يزال مستفيدًا من الدعم المادي المبذول من قيادات الحرس الثوري آثر السكوت أو أعلن تنديده بالعملية، وهناك مستقلون منفصلون عن تنظيماتهم استغلوا الحدث لإعلان البراءة من التعاون مع الميليشيات الشيعية، فيما أجمعت الحسابات المؤيدة لداعش عن ابتهاجها بالحدث.

يوحي ما يطفو على السطح للبعض بأنه دلالة على انقسام عميق داخل التنظيمات الجهادية السنية، لكنها لا تعدو مجرد ملاسنات غرضها التوظيف الإعلامي والسياسي. فالانقسام بشأن الموقف من موت محمد مرسي القيادي الإخواني السابق الذي تولى حكم مصر لمدة عام عندما خرج أبوقتادة الفلسطيني مترحمًا عليه، بينما أعلن أبومحمد المقدسي تبرؤه منه، لم يؤثر في حقيقة وجود تنسيق على مختلف المستويات بين جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة.

ولا يعكس خروج البعض من القيادات المنفصلة عن القاعدة مبتهجة بمقتل سليماني انقسامًا، بقدر ما يوحي بحجم التعاون والاستفادة من الحرس الثوري، للدرجة التي تدفع البعض منهم لانتهاز الفرص لإعلان التبرؤ من تلك العلاقة المحرمة شرعيًا وعقديًا وفق قناعات تنظيمات السلفية الجهادية.

سعى حمزة بن لادن عندما كان في وارد المنافسة على زعامة التنظيم، قبل إعلان مقتله، إلى توظيف العلاقة القوية التي تربط أيمن الظواهري بقائد فيلق القدس قاسم سليماني، وتربط القاعدة بالحرس الثوري لتنحصر المحاولات في إطار التوظيف من قيادي طامح في الزعامة. بينما استمر التعاون التنظيمي كما أرساه بن لادن الأب، وسار عليه الظواهري، وظلت قيادات القاعدة المقيمة في إيران تحت سمع وبصر قيادات الحرس الثوري فاعلة ومؤثرة في مسارات التنظيم وأنشطته في مختلف الساحات.

لم تحدْ العلاقة بين القاعدة وإيران عن إطارها الذي تم التوافق عليه لأول مرة في الخرطوم عام 1992، برعاية زعيم الحركة الإسلامية في السودان حسن الترابي، فقد استمر تدريب عناصر القاعدة على يد قادة في الحرس الثوري وحزب الله، واستمر الدعم بالمال والسلاح لخدمة أهداف مشتركة ومواجهة أعداء مشتركين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والسعودية.

استفادت إيران من توظيف القاعدة عبر اختراق المجتمعات السنية لتحقيق مهمات تحرص الميليشيات الشيعية على عدم القيام بها، واستفادت القاعدة بالعثور على ملاذ لإقامة قادتها بعد الغزو الأميركي لأفغانستان وإسقاط طالبان علاوة على الدعم المادي والعسكري.

ردود فعل الجهاديين السنة على مقتل قاسم سليماني عكست مدى تداخل نشاطات التنظيمات السنية والشيعية

فضّل تنظيم داعش الذي أظهر العداء لأذرع إيران في المنطقة العربية خلافًا لنهج القاعدة والذي أعلن عن تبني تنفيذ بعض العمليات الرمزية في قلب إيران، الاستفادة من باب التمايز وتوظيف الخلاف المذهبي لخلق مبررات للحضور والتوسع داخل المجتمعات السنية التي تعاني من الاضطهاد الطائفي، وتبحث عمن ينقذها من التمدد الميليشياوي الشيعي، ما خدم إيران التي قدمت نفسها أمام العالم كمناهض للإرهاب السنّي.

في جميع الأحوال خدم الطيف الجهادي السنّي مبكرا مخططات الطبقة الحاكمة في إيران، خاصة المخطط الذي أعلن عنه الخميني عقب عودته من باريس المتعلق بالرغبة في أن يحكم الفرس منطقة الشرق الأوسط لقرون طويلة.

لعل مقتل قاسم سليماني في 3 يناير الماضي أهم الأحداث التي تؤرخ لمرحلة مختلفة بشأن تعاطي القوة العظمى في العالم مع ملف الإرهاب خاصة بمنطقة الشرق الأوسط. والسائد حاليًا إظهار التخوف من عودة تنظيم داعش لسابق عهده في العراق وسوريا، نتيجة انشغال الولايات المتحدة بصراع طرأ على الساحة في مواجهة النفوذ الإيراني وأنشطة ميليشياتها المسلحة بالمنطقة العربية.

هذا التصور الخاطئ مبنيّ على وهم استمر لفترة طويلة واعتنقته قوى كبرى في مقدمتها الولايات المتحدة، ومفاده أن الإرهاب بمنطقة الشرق الأوسط هو سني الهوية والمصدر، وأن أصل الإرهاب في العالم نابع من الدول العربية السنية، وأنه من الممكن القضاء على الإرهاب بالتركيز على التنظيمات التكفيرية السنية، وإغفال أنشطة إيران وممارسات الميليشيات الشيعية في المنطقة.

مسوّغ هذا التصور لدى من اعتنقوه وصول أنشطة التنظيمات الإرهابية السنية، مثل داعش والقاعدة، إلى خارج حدود دولها واستهدافها الداخل الأوروبي والأميركي، بينما لا ينطبق ذلك على الميليشيات الشيعية الموالية لإيران التي تركز عملياتها في المنطقة العربية ولا تستهدف الغرب بشكل مباشر.

، ليس كما توهمت الدول الكبرى نتيجة لطبيعة المجتمعات العربية السنية المفرخة للأفكار المتطرفة، بل هو ناتج عن خلط الأوراق وتأجيج الصراعات المذهبية وتوظيف تنظيمات سنية وشيعية متطرفة بالداخل العربي في مشاريع توسعية لحساب مصالح قوى غير عربية، مثل إيران وتركيا.

أدى انفجار الأوضاع داخل بعض الدول العربية ودخول بعضها في حروب أهلية مفتوحة، إلى هروب أعداد هائلة من مواطنيها وطلبها اللجوء للدول الأوروبية، وهذا لم يكن مسؤولية الدول العربية وحدها، فمن بعث في الفكر التكفيري الحياة وضاعف من قوة تنظيماته وحولها لشبكات أخطبوطية مترابطة المصالح رغم اختلافها المذهبي والفكري هو الدعم الخارجي القادم من قوى إقليمية لديها مشاريع توسعية صريحة بالداخل العربي.

تبدو مرحلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مفصلية بين واقعين مختلفين في ما يتعلق بأوضاع التنظيمات الإرهابية وداعميها، حيث ساد قبله التسامح مع حقيقة كارثية وهي ارتباط تنظيمات متطرفة وإرهابية سنية بإيران تمويلا وتسليحا، واستفادة التنظيمات الشيعية والسنية من بعضهما لتوفير بيئة طائفية حاضنة لأنشطتهما.

ونشط الإرهاب السني والشيعي، وقدمت الميليشيات الشيعية في العديد من الدول العربية نفسها كمحاربة للإرهاب السني، بينما زعم داعش أنه يحمي السنة من اضطهاد الشيعة وتغوّل ميليشياتها.

غضّت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما بصرها عن تدخل تركيا العسكري في سوريا والعراق، وسمحت قبل ذلك لإيران بالسيطرة على شؤون العراق ومررت نشاطها السياسي والعسكري المتصاعد في المنطقة العربية، بهدف تمكين النموذج الديني لشرعنة حضور إسرائيل كدولة دينية.
اقتضى هذا التصور الغربي صناعة واقع عربي مفكك والسماح لدولة مثل تركيا باحتضان جماعة الإخوان والجهاديين السنة، وغض البصر عن أنشطة إيران التي ترعى التطرف الشيعي لمواصلة إضعاف القوى العربية.

وتسببت تلك التصورات في فراغ استراتيجي بالشرق الأوسط وأعطت واشنطن نفوذًا لإيران وأتاحت حضورا قويا لتنظيمات جهادية متعددة، فلم تكن هناك قاعدة ولا داعش في سوريا قبل تنفيذها على الأرض، وجاء حضورهما بناءً على مساعي أطراف الصراع لتحقيق مصالحها من خلال توظيف تلك الخلايا المسلحة في المعارك الدائرة.

تبدلت الاستراتيجيات نظرًا لهزيمة التنظيمات التكفيرية وفشل مشروع الإسلام السياسي وتجاوز إيران الخطوط الحمر في الدول العربية، وهو ما أثّر على مصالح أميركا في المنطقة والعالم.

مثّل إقدام الأجهزة الأميركية على قتل سليماني خطوة كبيرة بعد فرض العقوبات على طهران، وقبله قتل أبوبكر البغدادي، على طريق تغيير المعادلات وتفكيك بنية التنظيمات الإرهابية المتشابكة، لإجبار إيران على القبول بالواقع الجديد الذي تحاول الإدارة الجمهورية فرضه، والأهم أن مقتل سليماني والبغدادي سوف يظل ضربة نوعية لعموم تيارات الإرهاب السني والشيعي في المنطقة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.