كيف تُدار المنطقة بالإلهاء والتفتيت لإعادة تسويق “إسرائيل”؟
كيف تُدار المنطقة بالإلهاء والتفتيت لإعادة تسويق “إسرائيل”؟
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد فلسطين مجرد ساحة صراع محلي بين احتلال وشعب واقع تحت الاستعمار، بل تحولت إلى مركز اختبار واسع لمنظومة الهيمنة “الأميركية–الإسرائيلية” في لحظة تاريخية حساسة، تتزامن مع تآكل واضح في قدرة الإمبراطوريات على فرض إرادتها بالوسائل التقليدية. ما نشهده اليوم، ليس محاولة لإدارة “أزمة” بقدر ما هو سعي حثيث لإدارة الانكشاف؛ انكشاف القوة، وانكشاف الخطاب، وانكشاف النموذج الذي لطالما قدّم “إسرائيل” بوصفها “ديمقراطية ليبرالية” في محيط متوحش.
في هذا السياق، تصبح “الفوضى المنظمة” مفهومًا مفتاحيًا لفهم الاستراتيجية “الأميركية–الإسرائيلية”. فهي ليست فوضى ناتجة عن عجز، ولا تنظيمًا نابعًا من قوة مستقرة، بل نمط إدارة مرحلي، تلجأ إليه قوى مهيمنة في طور التراجع، تحاول عبره تأجيل لحظة الاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية، وإعادة ترتيب المشهد بما يسمح بفرض أمر واقع جديد، حتى لو كان هشًا وغير قابل للاستدامة.
ما بعد طوفان الأقصى: أزمة السردية قبل أزمة الأمن
شكّل طوفان الأقصى ضربة مركبة لـ”إسرائيل”، ليس فقط على المستوى العسكري والأمن، بل – وهو الأهم – على مستوى السردية. للمرة الأولى منذ عقود، بدت “إسرائيل” في الوعي العالمي “دولة” عاجزة عن حماية نفسها، وبدت روايتها الأخلاقية مفككة أمام صور الدمار والإبادة في غزة. هذا التحول في الوعي الشعبي، وخصوصًا في الغرب، هو ما أقلق واشنطن وتل أبيب أكثر من الصواريخ والأنفاق.
من هنا، يصبح السؤال المركزي: هل تهدف الفوضى الجارية إلى “تبييض” صورة نتنياهو و”إسرائيل”، أم إلى فرض أمر واقع جديد؟ الإجابة، وفق المنطق الإمبراطوري الكلاسيكي، هي أن الهدفين متلازمان. فحين تعجز القوة عن استعادة شرعيتها، تلجأ إلى فرض الوقائع، وحين تفشل في فرض الوقائع بشكل كامل، تحاول إعادة إنتاج خطاب يبررها.
خطة ترامب للمرحلة الثانية من الحرب على غزة ليست سوى تجسيد عملي لهذا المأزق. فهي خطة غير قابلة للتطبيق الواقعي: “مجلس سلام” بلا سيادة، “قوة استقرار” بلا قبول شعبي، ونزع سلاح مقاومة ما زالت تمتلك جذورًا اجتماعية وسياسية عميقة. ومع ذلك، يتم الترويج للخطة لا بوصفها حلًا، بل بوصفها إطارًا لإدارة الفوضى، وإبقاء غزة معلّقة بين الحرب واللا حرب، وبين الإعمار المشروط والحصار المستدام.
استهداف حماس: محاولة شطب السياسة من جذورها
التركيز على إخراج حماس من المعادلة ليس مسألة أمنية بحتة، بل محاولة لإعادة هندسة السياسة الفلسطينية بما يتناسب مع متطلبات الهيمنة. فحماس، تمثل نموذجًا سياسيًا–اجتماعيًا خارج السيطرة الأميركية، وهو ما يجعلها غير قابلة للإدماج في منظومة “السلام الليبرالي” الذي صُمم لضبط الفلسطيني لا لتحريره.
من هنا، تأتي محاولات فرض سلطة رام الله كـ”وكيل أمني” في غزة، رغم إدراك الاحتلال نفسه أن هذه السلطة فشلت في تحقيق الاستقرار حتى في الضفة الغربية. المفارقة أن “إسرائيل”، التي تطالب السلطة بتولي إدارة غزة، تعمل في الوقت ذاته على تفكيكها في الضفة عبر الضم والتهويد وصناعة الفراغ. هذا التناقض ليس خطأ في الحسابات، بل جزء من الفوضى المنظمة: إبقاء الفلسطينيين بلا مركز سياسي قوي، وبلا أفق سيادي، وبلا قدرة على إنتاج قيادة جامعة.
معاقبة التعاطف: الخوف من الشعوب لا من الدول
من أكثر المؤشرات دلالة على أفول القوة الإمبراطورية، سياسة معاقبة الدول التي عبّرت عن تعاطفها مع غزة، مثل فنزويلا، أو الضغط والتهديد لدول أوروبية شهدت حركات تضامن شعبية واسعة، كالدنمارك وغيرها. هذه السياسة لا تستهدف الحكومات بقدر ما تستهدف الشعوب، ولا تعاقب مواقف رسمية بقدر ما تحاول كبح عدوى الوعي.
الإمبراطوريات الصاعدة لا تخشى التضامن الشعبي، لأنها تمتلك فائض شرعية. أما الإمبراطوريات المتراجعة، فترى في كل مظاهرة، وكل حملة مقاطعة، وكل صوت أكاديمي أو إعلامي ناقد، تهديدًا وجوديًا. لذلك، تصبح العقوبات والابتزاز أدوات لضبط المجال العام العالمي، ومنع تشكّل رأي عام عابر للحدود يُعيد تعريف الصراع بوصفه استعمارًا استيطانيًا لا “نزاعًا”.
التفتيت والإلهاء: إدارة الانهيار لا منعِه
ما يجري في الإقليم، من السودان إلى اليمن، ومن سوريا إلى القرن الأفريقي، لا يمكن فصله عن الاستراتيجية “الإسرائيلية” الأوسع لإعادة تعريف “أمنها القومي”. فالأحلاف الناشئة، وكيانات الأمر الواقع، والحركات الانفصالية، ليست حوادث معزولة، بل عناصر في مشهد تفتيتي يُراد منه إنهاك القوى الإقليمية الكبرى: مصر، السعودية، تركيا، وإيران.
هذا التفتيت لا يهدف إلى بناء نظام إقليمي مستقر، بل إلى منع تشكّل أي توازن قوى قادر على محاسبة “إسرائيل” أو فرض كلفة حقيقية على عدوانها. في هذا السياق، يصبح الإلهاء وظيفة أساسية: إلهاء الدول بأزماتها الداخلية، وإلهاء الشعوب بصراعات الهوية والطائفة، وإلهاء الإعلام بسرديات أمنية مصطنعة، بينما يُعاد تشكيل الإقليم وفق معايير “إسرائيلية” خالصة.
نتنياهو كعرض لا كسبب
محاولة تعويم نتنياهو ليست هدفًا بحد ذاتها، بل جزء من محاولة أوسع لإنقاذ المنظومة التي أنتجته. فنتنياهو ليس انحرافًا عن المسار “الإسرائيلي”، بل تجسيد مكثف له في لحظة تطرف. استبداله بشخصية “أكثر براغماتية” مثل نفتالي بينيت لن يغيّر جوهر المشروع، بل قد ينجح في إعادة تسويقه دوليًا، عبر تخفيف حدّة الخطاب من دون المساس بالبنية الاستعمارية.
هنا تكمن خطورة الفوضى المنظمة: أنها قد تُنتج تغييرًا شكليًا يُخفي استمرار السياسات ذاتها، ويمنح الغرب ذريعة للعودة إلى خطاب “الفرصة الجديدة للسلام”، فيما تستمر الوقائع على الأرض في الترسخ.
أفول الإمبراطورية: ما بعد السيطرة الكاملة
كل ما سبق يشير إلى حقيقة بات من الصعب تجاهلها: نحن أمام مرحلة أفول للقوة “الأميركية–الإسرائيلية”، لا بمعنى الانهيار الفوري، بل بمعنى فقدان القدرة على الضبط الشامل. الفوضى المنظمة هي أداة من أدوات هذا الأفول، محاولة لإدارة التراجع بدل الاعتراف به.
غير أن التاريخ يُظهر أن الشعوب التي تُدرك لحظة التحول، وتنجح في تنظيم قواها، قادرة على تحويل الفوضى إلى فرصة. والشعب الفلسطيني، رغم حجم المعاناة ومحاولات الشطب والإلغاء، أثبت مرارًا أنه قادر على إعادة إنتاج نفسه سياسيًا ومجتمعيًا، شرط أن تتقاطع إرادات قواه المختلفة عند حدٍّ أدنى من المصالح الوطنية العليا.
في المحصلة، ليست الفوضى المنظمة دليل قوة، بل اعترافًا غير معلن بأن زمن السيطرة المطلقة قد ولى، وأن الإمبراطورية، حين تبدأ بمعاقبة التعاطف، تكون قد دخلت مرحلة الخوف من المستقبل، لا صناعته.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.


