صحافة

كيف تحاول تل أبيب إعادة إنتاج نفوذها رغم انهيار صورتها؟

كيف تحاول تل أبيب إعادة إنتاج نفوذها رغم انهيار صورتها؟

من الصعب تفكيك المشهد “الإسرائيلي” الراهن دون العودة إلى القاعدة التي شكّلها عِلم إدارة الأزمات في القرن الأخير: حين تنهار السلطة، لا تعترف بسقوطها، بل تُحاول إقناع العالم بأنها “قائمة رغم الانهيار”. هذه القاعدة بالذات هي ما تحاول تل أبيب تطبيقه اليوم تحت مظلة إستراتيجية “لطمس الذاكرة”، وهي إستراتيجية كلاسيكية في إدارة الأزمات تُستخدم عادة لطمس آثار الكوارث، والعودة السريعة إلى روتين ما قبل الصدمة، وبناء انطباع بأن النظام ما يزال قادرًا على الحياة.

غير أنّ المشكلة الجوهرية هنا أنّ “الصدمة” التي تعرضت لها “إسرائيل” في العامين الأخيرين لم تكن حادثًا عرضيًا، ولا خطأً تكتيكيًا، بل كشفًا بنيويًا لحدود المشروع الاستعماري نفسه. ولذلك يبدو السعي “الإسرائيلي” للعودة إلى ما قبل الحرب شبيهًا بمحاولة إعادة تركيب الزجاج بعد تحطيمه: ممكن شكليًا، مستحيل جوهريًا.

أولاً: الأزمة التي لا يمكن إنكارها

في الخطاب الرسمي “الإسرائيلي”، يُعاد تدوير مفردات “الصمود”، “اللحمة الداخلية”، “المجتمع الأقوى من المحن”. لكن خلف هذه الدعاية التي تعمل بكامل طاقتها، تقف حقيقة لا يمكن تجميلها: “إسرائيل” فقدت شرعيتها في عيون جزء كبير من المجتمعات الغربية، بما فيها المجتمعات التي شكّلت قاعدة دعمها التقليدية منذ قيامها.

إنّ الإشارة التي أطلقها روبرت سينجر في مقاله حول “إعادة سرد قصتنا” ليست مجرد ملاحظة تحليلية، بل اعتراف نادر يصدر من داخل البنية الأيديولوجية الصلبة للحركة الصهيونية: 40% من اليهود الأميركيين يعتقدون أن “إسرائيل” ارتكبت إبادة جماعية.

هذه ليست أزمة “صورة”، بل أزمة وجود سياسي وأخلاقي. فكيانٌ بُني على فكرة احتكار الأخلاق وتقديم نفسه كضحية دائمة لا يستطيع النجاة حين يتحوّل فجأة إلى رمز عالمي للجريمة.

يقول سينجر إن ما حدث قد يهدد “وحدة الشعب اليهودي”. هذه العبارة تكفي وحدها لتأكيد أن الأزمة هي بنيوية. فالحركة التي طالما ادّعت أنها “ممثّل اليهود” تجد نفسها الآن أمام جيل كامل يرفض أن يتحمل إرثها الدموي.

ثانيًا: حين يتآكل الداخل… تفقد “الدولة” القدرة على التمثيل

بإمكان “إسرائيل”، عبر حملات العلاقات العامة، تزييف استطلاعات حول “رفاهية الحياة”، لكنها لا تستطيع إخفاء الحقائق الجوهرية:

انهيار الثقة بالجيش، هذه المؤسسة التي بُنيت حولها العقيدة الصهيونية برمتها.

– انتحار عشرات الجنود والضباط.

– تقديم أكثر من 600 ضابط طلبات للتقاعد المبكر، وهي ظاهرة غير مسبوقة.

– انهيار الثقة بالحكومة إلى ما دون 30%.

– الانقسام الهويّاتي الذي جعل المجتمع “الإسرائيلي” أقرب إلى فسيفساء متضاربة لا إلى مجتمع متماسك.

في الدول الاستعمارية، الجيش ليس مؤسسة فقط، بل “أساس وجود”. فحين يتفكك الجيش، يتفكك الوهم الأيديولوجي الذي يحاول النظام السياسي الإيحاء به.

ولذلك، تحاول تل أبيب بكل قوتها إنتاج صورة مضادة: استطلاعات مصممة بعناية، أرقام تتجاهل المنطق التاريخي، سردية تقول إن “المجتمع تعافى”، رغم أن الوقائع تشير إلى أن المجتمع لا يستطيع النوم دون التفكير في احتمال تكرار 7 أكتوبر.

هذا الإنكار جزء من فلسفة “صناعة الهدوء الزائف”، لكنه أيضًا دليل عجز: فالكيان الذي يقف على حافة الانقسام الداخلي لا يستطيع أن يواصل دوره الإقليمي كقوة مهيمنة.

ثالثًا: الهروب إلى الخارج… حين يصبح الداخل غير صالح للعرض

حين تفقد السلطة ثقة مجتمعها، تبحث فورًا عن شرعية خارجية. وهذا ما تفعله تل أبيب اليوم:

تُسَوّق انضمام كازاخستان لاتفاقيات إبراهام كـ”إنجاز”، رغم أن العلاقات معها قائمة منذ التسعينيات. تُحاول إظهار أن قطار التطبيع لا يزال يتحرك، رغم أن معظم عربات القطار فارغة.

هذا السلوك ليس مجرد سياسية خارجية، بل محاولة للهروب من الفراغ الداخلي عبر خلق “انتصارات وهمية”. “إسرائيل” تعلم أنها فقدت قدرتها على إقناع العالم بأنها “ديمقراطية في محيط عدائي”، لذلك تنتقل إلى مستوى آخر: بناء تكتلات جديدة، شراء الوقت، واستثمار حالة التشوش الدولي، على أمل أن تتراكم الأزمات العالمية بما يكفي لتُدفن الحرب في غزة تحت ركام الأخبار المتتالية.

لكن هذه المقاربة تتجاهل ما هو أخطر: الصراع في غزة لم يعد صراعًا جيوسياسيًا فقط، بل تحوّل إلى معيار أخلاقي عالمي. لقد فقدت “إسرائيل” قدرتها على التحكم في الرواية، ولو بشكل جزئي، وهذا بحد ذاته انقلاب إستراتيجي لا يمكن تصفير آثاره.

رابعًا: مشروع تصفية الذاكرة… أخطر أدوات الهيمنة

إن “إسرائيل” تسعي اليوم إلى السيطرة على كل وسائل الإعلام والدعاية، وذلك من أجل “إدارة الإدراك” لا باعتبارها مجرد أداة إعلامية، بل منظومة كاملة تهدف إلى صناعة نسيان.

هذا بالضبط ما حاول نتنياهو فعله: دفن الحرب التي شنها على غزة، ودفن آثارها النفسية والأخلاقية والسياسية، من أجل إعادة بناء العالم كما لو أن الإبادة لم تحدث.

هذا المشروع يقوم على ثلاثة محاور:

– دفن الجرح الفلسطيني عبر الزمن: التعويل على مرور الوقت كوسيلة لطمس المشهد.

– استبدال الحديث عن الإبادة بالحديث عن إعادة الإعمار.

– خلق أزمات جانبية جديدة تشغل الإعلام العالمي.

هذه ليست خطوة عشوائية، بل سياسة استعمارية قديمة: اصنع صدمة… ادفنها… ثم قل إن العالم مضى إلى الأمام.

لكن الفارق أنّ العالم لم يمضِ. الجرح الفلسطيني لم يعد جرحًا محليًا، بل أصبح رمزًا عالميًا يعيد تعريف معاني العدالة.

خامسًا: لماذا تفشل إستراتيجية “ترميم الأسطورة”؟

تفشل لأنها تتناقض مع حقائق ثلاث:

– الصدمة التي تعرضت لها “إسرائيل” لم تكن قابلة للاحتواء، بل كشفت عطبًا في بنية المشروع ذاته.

– الوعي العالمي تغير، وتحول إلى وعي لا يمكن إعادته إلى الوراء بالدعاية.

– القضية الفلسطينية استعادت مركزيتها الأخلاقية، وهذا عنصر خارجي لا تملكه “إسرائيل” ولا تستطيع التحكم به.

في عالم ما بعد غزة، لم تعد المشكلة “صورة إسرائيل”، بل حقيقة سلوكها. والصورة يمكن التلاعب بها، أما الحقيقة فلا يمكن إعادة إنتاجها برواية جديدة.

ختامًا: رفض المشاركة في عملية طمس الذاكرة

إن أكبر خطر اليوم ليس ما تفعله “إسرائيل”، بل ما قد يقبله العالم عنها. فالتعامل مع تل أبيب على قاعدة “سياسة إلغاء الحدث” يعني المشاركة في عملية محو أخلاقي وإنساني.

ولهذا يصبح واجبًا:

– إعادة بناء السردية الفلسطينية كمرجعية أخلاقية وإنسانية.

– استمرار الضغط القانوني والسياسي والإعلامي لعزل “إسرائيل”.

– رفض التطبيع الذي يسعى لدمج كيان لم يتعافَ، ولن يتعافى، قبل أن يواجه تاريخه.

– منع استخدام الزمن كأداة استعمارية لدفن الإبادة.

فترميم المستحيل ليس مهمة الفلسطينيين أو متضامنيهم، بل مهمة تل أبيب. وما تحاول “إسرائيل” ترميمه ليس فقط صورتها، بل نظامًا كاملًا من العنف المنظم الذي بدأ يتشقق من الداخل.

إن ترك هذا النظام يتعافى دون محاسبة هو دعوة مفتوحة لحقبة جديدة من الفظائع. ولذلك، فإن رفض إستراتيجية “سياسة إلغاء الحدث” ليس موقفًا سياسيًا فقط، بل موقف أخلاقي من الدرجة الأولى، وربما آخر خطوط الدفاع عن معنى العدالة في هذا العالم.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

admin

موقع Wakala News يقدم أحدث الأخبار العالمية والعربية لحظة بلحظة، بتغطية دقيقة وموثوقة للأحداث السياسية والاقتصادية والتقنية حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى