كيف تتحكم في شهيتك وتتجنب التهام كميات كبيرة من الطعام؟

17

لا يصعب عليّ من الآن توقع ما الذي سأشعر به بعد تناولي وجبة العشاء في يوم عيد الميلاد المقبل؛ إذ سيسيطر عليّ حتما شعور بالنعاس والخمول وكذلك بالامتلاء والشبع. لكن ذلك لن يمنع، من أنني سأشعر غالبا بحلول موعد الغداء في اليوم التالي بالجوع مرة أخرى، وبقدرٍ يجعل بوسعي التهام ديك مشوي آخر.

قد يبدو لنا هذا الأمر غريبا للغاية عندما نفكر فيه، أن يكون بمقدورك بعد يوم واحد من تناول وجبة كبيرة من الطعام، التهام كمية مماثلة منه. أفلم نتعلم من دروس المرة الأولى؟

إذا ما السبب وراء شعورنا بالجوع بعد المشاركة في مآدب طعام حافلة، كتلك التي تُقام في مناسبات مثل عيديْ الميلاد أو الشكر وغيرهما؟ فهل يؤدي تناول الطعام بإفراط في يوم ما إلى “توسيع” حجم المعدة، ما يفسح مساحة أكبر لما نلتهمه منه في اليوم التالي مثلا؟

دعونا أولا نشرح ما الذي يعنيه الشعور بالجوع من الأصل. فالتقلص الذي تشعر به في معدتك ويدفعك لتناول الطعام، ينتج عن مجموعة من التغيرات الفسيولوجية التي تحدث داخل جسدك، ولا يتعلق ذلك إطلاقا بما قد يتصوره البعض من أن حجم المعدة يتمدد أو ينكمش، تبعا لكون المرء جائعا أو شبعانا.

فالمعدة تنقبض خلال الهضم للمساعدة على تحريك الطعام باتجاه منطقة الأمعاء. كما تصدر أصواتا بفعل حركة الهواء وقطع الطعام فيها، جراء تحرك كميات الغذاء إلى أسفل. ويشكل ذلك ظاهرة تُعرف باسم القرقرة، تحس بحدوثها في معدتك وتسمع لها صوتا كذلك، وتمثل غالبا أول مؤشر يجعلك تشعر بأنك ربما تكون جوعانا. بعد حدوث هذه الظاهرة، تتمدد المعدة مرة أخرى استعدادا لتناولك الطعام، وهو أمر يحدث بفعل إفراز بعض الهرمونات.

لا يتسع حجم المعدة إذا بفعل الطعام الذي تستقبله، فهي تتسم بمرونة بالغة تجعلها تعود إلى سعتها الطبيعية والمعتادة (التي تتراوح ما بين لتر ولترين) بعد تناول الغذاء مهما كانت كميته كبيرة. وفي حقيقة الأمر، يتشابه غالبية البشر في ما يتعلق بسعة معدة كل منهم، بغض النظر عن اختلافهم في الوزن أو طول القامة.

وما يجهله الكثيرون منّا على الأغلب، هو الهرمونات التي يفرزها الجسم عند الشعور بالجوع. ومن بينها “الببتيد العصبي Y” و”ببتيد إيه جي آر بي” اللذان يُفرزان من منطقة تحت المهاد في الدماغ، ويُحدثان الشعور بالجوع ويتغلب أثرهما على أثر الهرمونات الأخرى التي تعطينا الإحساس بالرضا والاكتفاء. كما تضم القائمة هرمون غرلين الذي تفرزه المعدة، عندما تكون خاوية، ويحفز وجوده إفراز الهرمونين الآخرين من المخ.

ورغم أنك قد تتوقع أن يكون هرمون غرلين – المسؤول عن تحفيز الشعور بالجوع – موجودا بقدر أوفر لدى من يتناولون كميات أكبر من الطعام، فإن مستوياته تميل إلى الارتفاع لدى الأشخاص النحيلين، وإلى الانخفاض عند من يعانون من البدانة. وربما يُظهر التناقض القائم في هذا الشأن مدى تعقيد نظام الغدد الصماء لدى البشر.

وبينما لا يزيد عدد الهرمونات التي تؤدي لشعورك بالجوع عن ثلاثة بوجه عام، فإن الإحساس بالرضا والشبع يستلزم إفراز الجسم عشرة هرمونات أو نحو ذلك، من بينها اثنان يحفزان إنتاج الأنسولين لتنظيم عملية التمثيل الغذائي للكربوهيدرات، بجانب هرمونات عديدة أخرى يؤدي إفرازها إلى الإبطاء من حركة الطعام عبر المعدة، لمنح الجسد فرصة لهضمه.

ومن هذا المنظور، ربما يكون ما أشرنا إليه من تدني مستوى هرمون غرلين لدى من يعانون من السمنة، ناجما عن أن إفراز هذا الهرمون يُكبح، بفعل الكميات الكبيرة من الأنسولين التي تفرزها أجسامهم في العادة، لإحداث عملية التمثيل الغذائي، لما يتناولونه من طعام غني بالمواد الكربوهيدراتية.

فضلا عن ذلك، هناك هرمونان يلعبان دورا رئيسيا في تقليل الشعور بالجوع، ويُعرفان باسم “سي كيه كيه” و”بي واي واي”، وهما يسهمان في إضعاف الشهية للطعام. ويزيد مستوى ثانيهما لدى من خضعوا لجراحات ربط المعدة.

ورغم أن في معدة كل منّا منظومة لإشعار المخ بخوائها، عبر إفرازها هرمونات بعينها، فإن هذا الإحساس بخواء المعدة، يتعزز كذلك من خلال العلاقات الشرطية التي تنشأ لدى المرء بين حلول أوقات معينة من اليوم وشعوره بالجوع. ويزيد ذلك من احتمالات إحساسك بهذا الشعور في وقت العشاء، حتى إذا كنت قد التهمت كميات كبيرة من الطعام في وجبة غداء اليوم نفسه.

وتقول كارولين فان دين أكِر، باحثة في أحد مراكز الأبحاث الهولندية: “إذا اعتدت تناول قطعة من الشوكولاتة أو بعض رقائق البطاطس المقلية خلال جلوسك على أريكتك لمشاهدة التليفزيون بعد العشاء، فقد يبدأ جسدك في الربط بين الجلوس على الأريكة ومشاهدة التليفزيون من جهة والتهام شيء لذيذ الطعم من جهة أخرى. نتيجة لذلك، ستشعر في كل مرة تذهب فيها لتضطجع على الأريكة بعد العشاء برغبة شديدة في تناول الطعام. ويمكن أن يحدث ذلك حتى وأنت متخم بالطعام”.

وبحسب فان دين أكِر، لا يشكل الإفراط في تناول الطعام أمرا سيئا في حد ذاته. فقد يُنظر إليه على أنه مجرد عادة يرغب المرء في الإقلاع عنها. ويختلف ذلك عن التشخيص الطبي لهذا الأمر، إذ يُعتبر بنظر الأطباء انغماسا في التهام كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير، يرتبط غالبا بالإحساس بالاشمئزاز أو الذنب أو الخزي.

وعلى أي حال، فعندما تربط بين تناول أطعمة شهية – كتلك التي تحتوي على نسبة عالية من السكريات مثلا – وأوقات أو روائح أو مناظر أو سلوكيات بعينها، فستبدأ في الشعور برغبة شديدة في التهام تلك الأطعمة، بمجرد حلول ذاك الوقت أو وجود تلك الرائحة أو رؤيتك لهذا المنظر أو ذلك السلوك. ومن شأن حدوث ذلك، استثارة ردود فعل فسيولوجية لا نفسية فحسب، كأن يسيل لعابك في هذه الحالات على سبيل المثال.

ويجرنا ذلك للحديث عن تجربة ربما تكون مألوفة للكثيرين منّا، وهي تلك التي أجراها العالم الروسي إيفان بافلوف، وكان يقرع فيها جرسا في أوقات تقديم الطعام لأحد الكلاب. وأدى ذلك لأن يربط الكلب بين سماع صوت الجرس وتلقي الغذاء، لينتهي به المطاف لأن يسيل لعابه لسماع هذا الصوت وحده، حتى دون تلقي الطعام نفسه.

الفكرة هنا أن البشر ليسوا أكثر تطورا بكثير من الكلاب في هذا الشأن. ففي تجربة أخرى، عُرِض على أفراد العينة فيها صور لدوائر ومربعات، كان يُمنح هؤلاء قطعا من الشكولاتة حينما يرون المربعات، ما جعلهم لاحقا يشعرون بالرغبة الشديدة في التهام هذا النوع من الحلوى كلما رأوا صورا لهذا الشكل الهندسي. يعني ذلك أنه يمكن أن تنشأ لدى البشر علاقة شرطية بين توقع تلقي الطعام وظهور مؤشرات بسيطة بعينها، مثلهم مثل الكلاب تماما.

أظهرت الدراسات مرارا أن من يتناولون الطعام وسط مجموعة يلتهمون كمية أكبر منه، مقارنة بتلك التي يأكلونها إذا كانوا بمفردهم

وتقول فان دين أكِر إن هذه العلاقات الشرطية يمكن أن تنشأ بسرعة، وحتى مع استخدام كميات محدودة من الطعام لا تزيد على غرامين فحسب من الشكولاتة مثلا. وتوضح بالقول: “من السهل على ما يبدو أن يكتسب المرء هذه الرغبات، لكن يصعب عليه التخلص منها. فجسدك يتذكر – مثلا – أنك أكلت قطعة شكولاتة في وقت معين من اليوم. ويمكن أن تتحول رغبتك الشديدة في حدوث ذلك إلى عادة يومية، حتى إذا لم يتكرر فعلك لهذا الأمر سوى لأربعة أيام فحسب”.

وفي بعض الأحيان، يصبح وجود حالة مزاجية ما سببا في حدوث هذه العلاقة الشرطية. ولعلنا نذكر هنا ما يقوله الناس عامة من أن قدرتهم على التحكم في أنفسهم تقل، حينما يتعكر مزاجهم أو يشعرون بالإرهاق والتعب.

لكن من حيث المبدأ، يمكن أن تصبح أي حالة مزاجية – حتى وإن كانت جيدة – عاملا مُسبِباً للشعور بالرغبة الشديدة في الطعام، طالما كان يتبعها باستمرار حصولك عليه. وقد تبين مرارا وتكرارا أننا نلتهم كميات أكبر من الأطعمة حينما نكون بصحبة أصدقاء، حتى وإن كنا نحاول التحكم في مقدار ما نتناوله منها أو في الفترة التي نجلس فيها على طاولة الطعام، وغير ذلك من العوامل.

وربما يعود ذلك إلى أن البهجة التي يُحدثها وجود رفقة، تجعل من العسير علينا التركيز في كمية ما نلتهمه من طعام. بل إن الأمر يصل إلى حد أن وجود شخص تتبادل معه أطراف الحديث، سيجعلك تأكل كميات أكبر من الطعام.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن من شأن فهم طبيعة هذه العلاقات الشرطية، المساعدة على التخلص من العادات السيئة المتعلقة بتناول الطعام. وتقول فان دين أكِر: “عندما نحاول مساعدة الناس على التهام كميات أقل من الطعام، نُعلّمهم أن تناول شيء لذيذ في مرة من المرات، لا يعني أنه يتعين عليهم تكرار هذا الأمر في الأيام التالية أيضا”.

في ضوء ذلك، ما من مفاجأة في مدى الجوع الذي نشعر به بعد التهامنا كميات كبيرة من الطعام بصحبة الأهل والأصدقاء. إذ نجد أنفسنا جوعى في اليوم التالي، بل وربما في وقت لاحق من اليوم نفسه. ولا يعود ذلك – كما سبق القول – إلى تمدد حجم المعدة مثلا وإنما لأننا اعتدنا على تناول الطعام بإفراط في المناسبات.

وهكذا فإذا استشعر دماغك – في اليوم التالي لمأدبة هائلة كتلك التي نشارك فيها عادة في الأعياد – كل المؤشرات المرتبطة بالتهام وجبة ضخمة؛ من روائح ومشاهد وأصوات، فسيبدأ في تحضيرك على الفور لخوض جولة ثانية من تناول الغذاء بإفراط.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.