كيف أصبحت سوريا نقطة التقاء الصراعات الإقليمية؟
كيف أصبحت سوريا نقطة التقاء الصراعات الإقليمية؟
بدأت ملامح الدور السوري الجديد تتشكل بعد إسقاط نظام الأسد وصعود نموذج “الإسلام السياسي” كصيغة حاكمة، ما أطلق سباقاً محموماً بين القوى الإقليمية والدولية لمحاولة توظيف سوريا في خرائط النفوذ المستجدة. وتحوّلت البلاد من دولة كانت تستند إلى خطاب قومي داعم لفصائل المقاومة إلى كيان ضعيف جرى تفكيك مراكز قوته “بمنهجية عدوانية”، ليصبح بقاؤه مرتبطاً بالاندراج في الفلك الأميركي–الإسرائيلي، مقابل انفصال تدريجي عن المحاور السابقة.
منذ اللحظة الأولى لوصول الشرع إلى الحكم، برز خطاب جديد يعلن من خلاله أن “إسرائيل ليست عدواً، والعدو المشترك هو إيران وحلفاؤها”، وأن الأولوية تتمثل في الانتعاش الاقتصادي وإعادة الإعمار. احتاج الشرع إلى أشهر قليلة كي يثبت حسن النية عبر فتح قنوات اتصال من بوابة الإمارات، قبل أن يصبح التواصل مباشراً وعلنياً، حتى بات الإسرائيلي يُستخدم داخل سوريا كقوة ردع وحماية لـ”المجتمعات غير السنية”، وورقة ضغط على الشرع نفسه. في المقابل، كانت المفاوضات الإسرائيلية تسعى إلى دفعه إلى نقطة اللاعودة، بحيث يصبح الأميركي–الإسرائيلي الضامن الوحيد لبقائه في مواجهة رفاق “الجهاد والثورة”.
تقدّم الشرع بخطوتين أساسيتين على خط العلاقة مع واشنطن: تعليق جزء من العقوبات الفردية والعامة ضمن آلية “الإمساك بالخناق الاقتصادي”، ثم الانخراط في مسار تفاهمات أمنية مع إسرائيل كان يفترض أن تُتوَّج باتفاقية برعاية أميركية في أيلول–تشرين الأول 2025، لولا أن “الشروط الإسرائيلية لم يستطع الشرع تقبلها”. في المقابل، رفعت دمشق سقف موقفها بالمطالبة بالعودة إلى “خط السابع من كانون الأول 2024″، بينما كانت إسرائيل تثبّت وجودها في الجولان وتعلن بذلك نيتها التقدم لا التراجع، مع إدراكها أن واشنطن تضع خطوطاً حمراء تمنع تل أبيب من التوغل نحو دمشق أو تهديد موقع الشرع.
في المقلب الآخر، كانت الولايات المتحدة ترسم بدقتها اتجاهات التوظيف الممكنة لسوريا: في لبنان، يمكن استغلال الشبكات المتشددة المنتشرة بين سوريا ولبنان والعراق، سواء في “الأعمال التنفيذية–الإجرائية” أو في تأجيج الانقسام الطائفي عند الحاجة، بما يخدم استنزاف القوى دون اختبار مباشر. عسكرياً، يمكن الاستفادة من الموقع السوري لإرباك الحدود اللبنانية–السورية أو المساعدة غير المباشرة في عمليات إسرائيلية تهدف إلى تحديد أو تدمير مقدرات مشكوك بها في البقاع أو المناطق الشرقية.
في العراق، تُعزّز البيئة المتوترة لدى السنة، و”الشعور المضخم بالغبن”، قابلية تشكيل جماعات يمكن تحريكها في ملفات تمتد من العراق إلى سوريا وإيران وتركيا. أما في الداخل السوري، فقد تجنبت واشنطن السماح باشتباك مباشر بين الجيش السوري وقسد، لكنها دفعت النظام الجديد إلى مربعات يمكن استخدامها لاحقاً كورقة ضغط مثل “ملفات جرائم الحرب في الساحل والسويداء”، مع ترك الباب مفتوحاً لاحتمالات توظيف الجماعات المتشددة لإحداث تغييرات ديموغرافية أو تهديد مصالح دول لا ترغب واشنطن بحضورها، مثل الصين وروسيا وتركيا.
تبلورت هوية الشرع الوظيفية عبر سلسلة إشارات رمزية: لقاءان مع ترامب أحدهما في البيت الأبيض حيث وضع الأخير “العطر الأميركي على رقبة الشرع”، زيارة قائد المنطقة الوسطى بلباسه العسكري إلى دمشق، ثم اللقاء البارز مع ديفيد بترايوس، السجان السابق، في نيويورك. ومع إعلان واشنطن أن الشرع جزء من الحرب على داعش، تكرّس اندماج سوريا في الاستراتيجية الأميركية التي تستند إلى قواعد التنف ورميلان والقاعدة الجديدة قرب العاصمة، لتطويق منابع النفط وإحكام السيطرة على الاتصال العراقي–السوري.
امتد التوظيف ليشمل الجماعات الأجنبية: الإيغور، القوقاز، التركستان، الذين يمتلكون “روحية قتالية إجرامية” يمكن استخدامها في إدارة محاور حساسة أو لزعزعة استقرار دول منافسة. ويكتسب ملف الإيغور أهمية مضاعفة بسبب صلته بالصين، ما يتيح إمكانية تعطيل مشاريع بكين في سوريا. وفي السياق نفسه، يصبح الإمساك بملف التهريب وقطع الإمداد عن المقاومة في لبنان وفلسطين جزءاً من وظيفة سوريا الجديدة.
توازياً مع ذلك، تسلّمت السعودية الملف الاقتصادي كساحة نفوذ لتعويض دور قطر، مع استثمار في إعادة تشكيل البنية الدينية السورية باتجاه “الفكر الحنبلي والوهابي” عبر أدوات التعليم والدعوة والإعلام، في محاولة لإعادة صياغة المجتمع بما يخدم التوجهات الخليجية–الأميركية.
لكن التحديات أمام هذا المسار عميقة: الولاء غير المستقر للعناصر الأجنبية، الرفض المجتمعي لهم، إمكانية ارتدادهم على الداخل، إضافة إلى هشاشة بنية الدولة وعدم قدرتها على إنتاج جيش يمسك بالأرض أو يصهر المكونات المختلفة. كما يشكل احتفاظ إيران ومحور المقاومة بعناصر قوة فعّالة تحدياً دائماً للمشروع الأميركي–الإسرائيلي، خصوصاً أن أي زعزعة في العراق أو لبنان قد ترتد سريعاً على الساحة السورية.
وسط هذا المشهد، يغدو الفقر أداة ضغط لا يمكن توقع نتائجها فهو قادر على خلق اضطرابات تهدد بنية النظام الجديد، كما أن غياب القدرة على تحسين الوضع المعيشي يجعل أي التزامات سياسية كبرى أمراً محفوفاً بالمخاطر. وبين مسارات التطبيع المؤجل، والتوظيف الأمني، وإعادة تشكيل الهوية الدينية، تبقى سوريا منشغلة بإدارة هشاشتها الداخلية فيما تتحول تدريجياً إلى ساحة نفوذ متعدد الاتجاهات تتحكم به واشنطن وتتشابك فيه أدوار إسرائيل وتركيا والسعودية وروسيا، كلٌّ وفق حساباته ومشاريعه.
■ مصدر الخبر الأصلي
نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com
تاريخ النشر:
الكاتب:
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

