كورونا الجديد وعالم جديد هل سيكون عالماً أكثر إنسانية وتوحداً في مواجهة ما يهدد هذا الكوكب من أخطار؟

ازدادت البطالة بصورة جنونية مع إغلاق الشركات والمؤسسات في العالم (غيتي)

كورونا الجديدة المتجددة التي أغلقت العالم وتسببت حتى كتابة هذا المقال بوفاة حوالى 20 ألف إنسان، إنما أحدثت ما أحدثت لأنها تجدّدت وتطوّرت، فهل يبقى العالم كما هو بعد انتهاء محنة جائحة كورونا الجديدة؟ أم أنّ هذا العالم سيتجدّد  ويتطوّر-كما كورونا- بعد التخلص من الوباء؟ هل يبقى العالم كما هو؟ أم هل يتراجع إلى أسوأ ممّا هو عليه اليوم؟

المخططون والمجددون والتقدميون بنظرتهم إلى المستقبل يطرحون هذه الأسئلة على أنفسهم، ويتباحثون حول مستقبل دولهم وعالمهم بعد تجاوز كورونا: ماذا لو اجتاح العالم وباءً أكثر فتكاً وشراسة من كورونا؟ كيف نخطّط لاستيعاب ما قد يأتي من كوارث في المستقبل؟ ماذا تعلّمنا من تعاملنا مع كورونا على الصعيدَيْن المحلي والدولي؟

المعلمون المؤمنون بالعلم كمفتاح لحياة أفضل للإنسان، يركّزون على التعليم عن بعد وكيفية توظيف التكنولوجيا لهذا الهدف النبيل. كيف نوصل المعلومة بالشرح إلى الطالب داخل بيته؟ كيف نقوم بذلك من دون عزلة تخلق أجيالاً من الاكتئاب والانطوائية؟ كيف نقوم بالتعليم المنزلي عن بعد من دون الإخلال بالقيمة العلمية والمعرفية التعليمية والتربوية؟

ركزت المحنة الأضواء على القيمة الفريدة للأطباء والممرضين الذين يقفون على الخطوط الأمامية في مواجهة هذا العدو الغامض. تشير الأرقام إلى أن 17 في المئة (3500) من ضحايا كورونا حتى الآن هم من الأطباء والكوادر الطبية، سقطوا دفاعاً عن المرضى وعن البشرية جمعاء. أعادت المحنة التقدير الأممي لمهنة الطبابة بأشكالها كافة، وأحيت التفكير لدى الشباب بالتوجه نحو دراسة الطب بدلاً من بعض التخصصات الإنسانية والاجتماعية، التي يمكن الحصول على معلوماتها من الإنترنت.

ازدادت البطالة بصورة جنونية مع إغلاق الشركات والمؤسسات في العالم، فلقد سجل الأسبوع الماضي ثلاثة ملايين ونصف من الأميركيين في سجلات البطالة لتلقّي مساعدة اجتماعية، في حين يفكر أصحاب الشركات الكبرى والصغرى بتطوير العمل من البيت لموظفيهم، توفيراً للإيجار والتنقل والتأمين والمكاتب والأثاث والكهرباء والماء، والاعتماد على الآلة والذكاء الصناعي لتوفير تكاليف التشغيل.

كلٌّ يغنّي على ليلاه!

لعلّ في موسكو من يفكر باستغلال الكارثة الأوروبية لتعزيز الفرقة بين المجموعة وبعثرتها وربّما إنهائها، وقد يكون في موسكو من يفكر بأنّ هذه الكارثة مناسبة لإعادة الالتحام الإنساني-الأوروبي والدفع بأوروبا شرقاً، بدلاً من الغرب الأميركي الذي أغلق أجواءه في وجه الطيران الآتي من أوروبا من دون تنسيق أو سابق إنذار معها!

قد يكون في طهران من يفكر مستقبلاً بالتعاون مع الدول العربية الجارة في مواجهة الإرهاب والأمراض، ويقدّر المساعدات والمبادرات الإنسانية التي قامت بها دول الخليج في تجاوز محنتها.

لكن الخوف أن يكون في طهران من يفكر بالعقلية التوسعية والتدخلية بالشؤون العربية ذاتها، مستغلاً التهاء الجميع بمكافحة كورونا والتصدي له.

كلٌّ يغنّي على “كوروناه”!

البعض يفكر بشراء الأسهم في الأسواق العالمية المنهارة، أملاً في تحقيق أرباح “هائلة”، وبعض يفكر بتخزين الغذاء والدواء أملاً في شحّه لاستغلال حاجات الناس وتحقيق أرباح سُحتٍ بشعة.

العِلمانيون والعَلمانيون يرون في محنة كورونا مناسبة تاريخية لإعادة الإنسان إلى التفكير العلمي المنطقي، بعدما اجتاحت العالم جائحة الخزعبلات والشعوذات والخرافات والغيبيات، وبعدما تكاثرت تجارة الأديان التي توظف ضعف وحاجة ومرض البسطاء لاستغلالهم والسيطرة عليهم.

كما شنّ فريق الإتجار والمتاجرة الدينية هجوماً مضاداً في محاولة يائسة للتكسب: كورونا عقاب للصينيين من الله. وقال آخر: بل هو عقاب لإيران بسبب سياساتها! وصدح غيره: هو عقوبة من الله للبشر بعدما ساد الفساد والانحلال والفسق والفجور. وشمت الشامتون بلا رحمة وبكل دناءة وخسّة بانهيار النظام الصحي الإيطالي والإسباني، وراحوا ينتهزون مأساة الإنسان هناك للتشفي بالغرب، الذي كان وجهتهم السياحية والصحية والتعليمية بل وحتى السياسية للّجوء هرباً من أوضاعهم البائسة.

أما الإنسانيون فيتمنون أن يكون وباء كورونا فرصة لتذكيرنا بآدميتنا وإنسانيتنا، وأن يعيد إلى العالم نزعاته الإنسانية السامية التي تتجاوز الحدود والأديان والقوميات والأعراق واللغات، تماماً مثل كورونا.

تغيرت لغة الانعزاليين وضعُفت لغة الفاشية والعنصرية، وخفتت لغة “نحن الفرقة الناجية وغيرنا في النار” في مواجهة الوباء: توحدت الدعوات والأماني والصلوات وصارت تدعو لكلّ البشر بالشفاء والصحة والسلامة، بعدما كانت مقتصرة على أتباع دين صاحب الدعاء!

من المؤكد أن العالم لن يبقى كما كان قبل كورونا، لكنّ السؤال هو: هل سيكون عالماً أكثر إنسانية وتوحّداً في مواجهة ما يهدّد هذا الكوكب من أخطار الحروب والأمراض والتلوث والأوبئة؟ أم يكون عالماً أنانياً لا يتجاوز اهتمامه حدود دوله السياسية، التي مسحها كورونا غير آبه بها ولا بنقاطها الحدودية أو مطاراتها الجوية؟

كتب البروفسور الانثروبولوجي الإسرائيلي نوح هاراري في مقال مطول حول كورونا “هناك مواجهة بين الانعزالية والتضامن العالمي، فوباء كورونا والأزمة الاقتصادية أزمتان عالميتان، ولا يمكن حلّهما حلاً ناجعاً من دون التعاون العالمي”.

وجاءت أصداء قمة العشرين التي عُقدت افتراضياً، الخميس، في السعودية لتؤكد هذه الحقيقة في مستهل بيانها الختامي، بالقول إن “جائحة كورونا (كوفيد-19) غير المسبوقة تُعدُّ رسالة تذكير قوية بمدى الترابط بين دولنا وبمَواطِن الضعف لدينا. فهذا الفيروس لا يعترف بأي حدود. تتطلّب عملية التعامل معه استجابة دولية قوية منسقة واسعة المدى، مبنية على الدلائل العلمية ومبدأ التضامن الدولي. ونحن ملتزمون بشدة بتشكيل جبهة متّحدة لمواجهة هذا الخطر المشترك”.

هل نتعلّم حقاً كيف ننقذ هذا الكوكب من قادم الجوائح التي لا نعرف مداها، أم ننعزل ونبقى أسرى أنانيتنا وانعزاليتنا؟ هذا ما ستكشفه الأيام…

تفاءلوا وابقوا في بيوتكم!

التعليقات مغلقة.