السفير د. عبدالله الأشعل*

تعني “صفقة القرن” إلغاء كافة المرجعيات القانونية التي تؤسس لشرعية وجود إسرائيل، ولذلك كان من أهم طلبات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من السلطة إلغاء كل قرارات الأمم المتحدة التي تتأسس عليها فكرة حل الدولتين. وبالفعل، فإن الصفقة تؤدي إلى دولتين، الأولى عملاقة، وهي إسرائيل، والثانية شكلية لا حدود لها ولا سيادة على شكل جيوب متفرقة تشبه معازل الأفارقة في جنوب إفريقيا. كذلك، تؤدي هذه الصفقة إلى تعطيل كافة قرارات الأمم المتحدة لحين الضغط على السلطة وإجبار الدول العربية الأخرى على التخلي عنها.

فى هذه المقالة سنعالج نقطتين؛ النقطة الأولى، المرجعيات التي تقوم عليها إسرائيل.والنقطة الثانية، تعطيل الصفقة للقرارات الدولية مما يشي بإنعدام أية مشاركة فلسطينية فيها وإنما هو تصور أمريكي – إسرائيلي مشترك يستند أساساً إلى السلام البيولوجي أو الاقتصادي وليس السلام السياسي، ما يؤدي إلى طمس فلسطين والفلسطينيين من الخريطة وتمدد إسرائيل على كل الأراضي.

أولاً: الصفقة وإلغاء شرعية إسرائيل

تعيد الصفقة الحالة إلى ما قبل تقسيم فلسطين، أي إلى المرجعيات الآتية:

1.الثابت أن نية إسرائيل في ضم كل فلسطين كانت واضحة تماماً في الخطاب الصهيوني، ولذلك أعلنت إسرائيل أن “قرار التقسيم” ليس شهادة لميلادها معتبرة أن للقرار دلالة واحدة وهي إعتراف المجتمع الدولي، من خلاله، بأن اليهود كانوا موجودين في فلسطين حيث أكد أبا أيبن، ممثل الوكالة اليهودية في ذلك الوقت، بأنه لا يهم ما حصل عليه اليهود من الأرض لأنهم سوف يستردونها لاحقاً من “الغاصبين الفلسطينيين”. هذا القرار لم تعترف به إسرائيل بعد ذلك، وإنما ظلت تلح على العرب لقبوله بالمفهوم الذي قدمته للقرار وهو أن الأرض كلها لليهود، وأن ما فعلته بالفلسطينيين هو “عقاب” لهم على اغتصابهم “فلسطين اليهودية”. كذلك، بدأت إسرائيل بمهادنة الفلسطينيين والمجتمع الدولي بشعار زائف هو “السلام الإسرائيلي”، فحتى “صفقة القرن” قام كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بتسميتها “خطة السلام في الشرق الأوسط”. بالعودة إلى القرار، يجب التذكير هنا بأن منظمة التحرير الفلسطينية سبق وأن إعترفت بالقرار في دورة للمجلس التشريعي العام 1988 في الذي إنعقد بالجزائر، حيث ولَّد ذلك موجة جديدة من الإنقسام والصراع الفلسطيني الداخلي، إذ أن المنظمة كانت تأمل بأن الإعتراف بهذا القرار سيكون تحدثاً بـ “لغة الدبلوماسية الدولية المنافقة”.

2.إن قرار قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة، 9 مايو/أيار 1949، كان مشروطاً بثلاثة شروط لم تحقق إسرائيل شرطاً واحداً منها، بأنها وبهذه الصفقة تكون قد فقدت شروط العضوية بحسب المادة الرابعة من الميثاق، ما يترتب عليه بطلان عضويتها.

3.بطلان اتفاق “أوسلو”، الذي ألزمت به إسرائيل السلطة الفلسطينية بأن تكون “حارساً” لها من خلال التعاون الأمني ضد المقاومة من دون إحترام أي من أحكام الإتفاق الذي نص على مفاوضات الوضع النهائي التي تشمل خمسة قضايا من بينها القدس، ولكن إسرائيل تقرر ما تشاء من جانب واحد دون أدنى إعتبار لأي قيد دولي بل أنها أنشأت مؤسساتها لكي تحقق اغتصاب فلسطين. لذلك، يجب على الدول العربية والإسلامية أن تسقط أي تمثيل برلماني أو قضائي لإسرائيل فى المنظمات الدولية بسبب إلتزام هذه المؤسسات والأجهزة بسياسة الحكومة الصهيونية الطاعنة في إغتصاب فلسطين، وعلى أساس أن الكينست يتشكل من نواب يساندون هذا المخطط وأن بقائهم فيها مرهون بهذا الدعم وأن رئيس الوزراء هو من يثبت أنه أكثر فتكاً ودماراً بالفلسطينيين.

4.بطلان الإعتراف بإسرائيل، فقد اعترفت الدول بها على أساس أنها دولة مستقلة تحب السلام وتحترم ميثاق الأمم المتحدة وقد أثبتت أنها في جانب والمجتمع الدولي في جانب آخر؛ ولذلك، يجب على دول العالم أن تسحب اعترافها بها وأن تسحب بعثاتها الدبلوماسية منها على أساس أن الإعتراف كان بـ “إسرائيل أخرى”، وأن الدول لا يجب أن تسكت على تحولها إلى كيان غاصب يهدد السلام والعدل وينتهك قرارات الأمم المتحدة وميثاقها.

5.بطلان اتفاقات السلام بين إسرائيل، من ناحية، ومصر والأردن وإعلان مبادئ “أوسلو” مع الفلسطينيين، من ناحية أخرى. فلقد اعترفت مصر بإسرائيل حتى دون أن يكون لها حدود ثابتة معترف بها، وكان اعتراض مصر هو السبب الأساسي فى دفع المشروع الصهيوني إلى نهايته. ولذلك، إن أكبر ضربة لطموح إسرائيل وتوحشها وردها إلى الطريق الذي رسمته الدبلوماسية الدولية هو سحب الإعتراف بها من جانب مصر والأردن ومنظمة التحرير.

6.بطلان وثيقة الإعتراف المتبادل المزعومة. لقد حاول الرئيس الفلسطيني، محمود عباس – أبو مازن، وهو يتحدث إلى وزراء الخارجية العرب في القاهرة، 1 فبراير/شباط 2020، أن يبرر إتفاق “أوسلو” ووثيقة الرئيس الراحل، ياسر عرفات، التي سميت زوراً “الإعتراف المتبادل”. والحق أن هذه الوثيقة كانت ضمن محطات المشروع الصهيوني كما كانت أوسلو أيضاً، وكان الرئيس عرفات يأمل أن مرونته يمكن أن تشجع إسرائيل على التعاون لإيجاد تسوية معقولة، إلا أنني واثق بأن الرئيس عرفات كان مدركاً منذ البداية للغرض النهائي للمشروع الصهيوني، لكنه تعامل مع بيئته ومحيطة دون أن ينبه إلى أن هذا التعاون كان أحد مشجعات إسرائيل على المضي قدماً، فإنتهى الأمر بقتله والرئيس أبو مازن يدرك هذه النهاية، ولذلك أبدى مرونة كافية وترك الباب مفتوحاً ولم يكن حاداً اتجاه إسرائيل.

إن وثيقة “الإعتراف المتبادل” تلك تنص على اعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل دون تحديد لحدودها أي كما تريدها الأخيرة، ما يعد “توقيعاً على بياض” للمشروع الصهيوني. أما المقابل الذي قدمته إسرائيل، فكان مجرد الإعتراف من جانبها بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل أو الوكيل عن الشعب الفلسطيني، والغريب أن أبا مازن إحتفل كثيراً، في كلمته أمام الجامعة العربية، بإعتراف إسرائيل بالشعب الفلسطيني، العام 1993، وكأن اعترافها قد خلق هذا الشعب من عدم، غافلاً أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد أصدرت قراراً أعطى الإعتراف بأن الفلسطينيين هم شعب، العام 1969. أيضاً، الغريب أن إسرائيل كان لديها خطة متكاملة للإستيلاء على فلسطين وكانت تكشف عن مراحل هذه الخطة، لكن الفلسطينيين والعرب تلهوا بهذه الجزئيات ونسوا أن يضموها إلى خطة متكاملة مما يعني أن العرب ليس لديهم عقل مركزي، مثل إسرائيل، وأن الدكتاتورية العربية هي السبب في ازدهار المشروع الصهيوني.

7. بطلان إتفاق “كامب ديفيد” وصفقة السلام مع إسرائيل. إن موافقة مصر خجلاً على صفقة القرن لا يعني في القانون أن الصفقة أبطلت كل الإتفاقيات التي أبرمتها مصر مع إسرائيل. أن الموافقة عليها يعني أحد أمرين؛ الأمر الأول، إما التناقض في المواقف الآثار القانونية. والأمر الثاني، أن الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، كان متعمداً بأن تكون “كامب ديفيد” هي محطة أساسية لـ “صفقة القرن”. بالتالي، لم يعد مجدياً التخفي وراء الشعارات والكلمات لأن تمكين إسرائيل من فلسطين هو تهديد وجودي لمصر قبل غيرها لا سيما وأن المشروع الصهيوني قام أساساً لضرب مصر، وأن تجاهل هذه الحقيقة إما يكشف عن جهل فاضح، أو عن نية سيئة لمصر. إذا، تعيد “صفقة القرن” الوضع في فلسطين إلى ما قبل قرار التقسيم.

ثانياً: إنتهاك المرجعيات القانونية للحقوق الفلسطينية

ومن أبرز ما يمكن قوله هنا التالي:

1.حق العودة في قرار الجمعية العامة رقم 194 في العام 1948.

2.حقوق الأقلية الفلسطينية حيث ألزم قرار قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة إسرائيل بإصدار دستور تحترم فيه حقوق هذه الأقلية، لكن ما يمكن تفسيره من بنود الصفقة الجديدة هي طرد إسرائيل لما يعرف بـ “عرب 48″، ناهيك عن إنتهاكها لقرار التقسيم الذي هو أساس الشرعية القانونية لإسرائيل المخالف للشرعية الدولية العام في ميثاق الأمم المتحدة.

3.انتهاك كافة أحكام القانون الدولي الخاصة بالإحتلال الحربي والإستيطان وضم الأراضي، وكذلك جرائم الإحتلال فى فلسطين.

4.عدم حل المشكلة الفلسطينية ما أدى إلى تفاقم مشكلة اللاجئين وإنشاء وكالة “الأنوروا” للعناية باللاجئين، فـ “صفقة القرن” تسلم فلسطين لإسرائيل وتقضي على حقوق اللاجئين وتنهي عمل الوكالة الدولية، وتلغي حق العودة. كل ذلك يعتبر حقوقاً ناتجة عن الجريمة الأولى وهي اغتصاب إسرائيل لأراضي الفلسطينيين. أيضاً، إن الصفقة تنتهك قرارات وكلات الأمم المتحدة المتخصصة بشأن الفلسطينيين وأراضيهم. وبإختصار، إنها قمة الدعوة إلى إهدار سلطة القانون الدولي وفتح الباب للفوضى فى العلاقات الدولية.

5.أن “صفقة القرن” تنهي جامعة الدول العربية، وتؤكد على إحلال “الشرق الأوسط الجديد” محل العالم العربي كما أنها تسقط كافة المبادرات الهادفة إلى تسوية القضية بما في ذلك “المبادرة العربية للسلام” – 2002. لذلك، كانت دعوة الرئيس أبو مازن لإعادة السير في طريق حل الدولتين هو فتح الباب للعمل خارج الصفقة وبديلاً لها، وهي محاولة فلسطينية للإفلات من تبعات الصفقة المدمرة.

6.إن الصفقة تعني وضع اللمسات الأخيرة على إبادة العرق الفلسطيني، وأن الموافقة عليها هي مشاركة في الجريمة ومساعدة على إحلال الصهيونية محل العروبة.

7.إن الصفقة هي “لطمة” في قرار محكمة العدل الدولية ضد الجدار العازل، وقرارات الأمم المتحدة ضد الإستيطان، والإعتراف بأن واشنطن وإسرائيل تصنعان نظاماً دولياً جديداً بقواعد جديدة. لذلك، استشعرت روسيا هذا البعد في الصفقة ورفضتها على أساس واحد وهو أن واشنطن لا تملك الإنفراد بالقرار في فلسطين ويترتب على ذلك أنه لو كانت موسكو طرفاً في المفاوضات قبل إعلان الصفقة لكن لها رأي آخر.

*سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.