صحافة

شيطنة الخصوم لبناء “شرعية” التدخل

شيطنة الخصوم لبناء “شرعية” التدخل

تُدار السياسة الخارجية الأميركية عبر صناعة الرواية التي تمنحها "شرعية" استخدام القوة تجاه أي نظام يعارضها أو يسعى للتفرد بقراره. حيث تبدأ حياكة السرديات التي تشيطنه.
أولًا يتم محاولة كسر الصورة للنظام المستهدف عبر خطابٍ منظم، فيجري إطلاق المصطلحات والخطابات المضللة حوله. هذه الشيطنة لا ترتبط بحقيقة النظام المستهدف بقدر ما يرتبط بحجم التهديد الذي يشكله للولايات المتحدة. فالدول الخاضعة لهيمنتها تبقى مقبولة لدى أميركا مهما كانت سياساتها، بينما تبدأ شيطنة الدولة التي تخرج عن هذا الإطار. ومن خلال هذا النمط يمكن فهم كيف تكرر هذا المنهج مع دول مختلفة، ولماذا يتغير توصيف الحليف نفسه وليس فقط الخصم عندما يتغير موقعه. بعد بناء السردية تبدأ مراكز الأبحاث والتصريحات الرسمية الاميركية بضخها تدريجياً، ثم نقلها إلى المؤسسات الدولية لتتبناها وتصبح الرواية الأميركية رواية عالمية. ومع انتشارها، يتحول الخصم إلى "تهديدٍ للأمن الدولي"، فتُبنى بذلك "شرعية التدخل".
بعد تثبيت السردية تبدأ المرحلة التالية من فرض العقوبات، ثم العزل السياسي، ثم التغلغل في مفاصل الدولة تحت عناوين حماية المدنيين أو الدفاع عن الاستقرار أو مكافحة الإرهاب.
ولا يقتصر هذا النهج على الخصوم فقط، بل يُستخدم أيضًا مع الحلفاء عند انتهاء دورهم ومهامهم. غير أن القدرة على التأثير في الحليف السابق تكون أكبر من التأثير في خصمٍ يدرك مسبقًا أدوات الضغط وأساليب التضليل.
من شريك إلى طاغية يجب إسقاطه
كان معمر القذافي لسنوات يمثل طرف متعاون مع الغرب بعد تسوية ملفاته وفتح قطاع النفط أمام الشركات الأجنبية. لكن مع انتقاله لاحقًا نحو "مشاريع استقلال مالي إفريقي" ومحاولته إنشاء منظومات نقدية خارج الإطار الغربي، تبدّل الخطاب سريعًا تجاهه.
حيث أصبحت وسائل الإعلام والسياسة الأميركية تقدمه باعتباره تهديدًا لشعبه وللاستقرار الدولي، وانتقل توصيفه من شريك قابل للتعامل إلى طاغية يجب إسقاطه.
استُخدم هذا النسق من الخطاب لتبرير التدخل العسكري في ليبيا -علما أنه عندما كان حليفاّ لم يكن ينظر إلى تهديده ولا سلوكه-، ثم انتهى المسار بإسقاط الدولة نفسها لا النظام فقط.
يكشف المثال الليبي أن المعيار الاميركي ليس شكل الحكم طالما أنه ضمن السقوف الاميركية.
كذلك تعمد السياسة الأميركية إلى تصوير دول الكاريبي وأميركا اللاتينية كمصادر فوضى أمنية وتهريب منظم، وتُقدَّم تدخلاتها هناك بوصفها مهام "إنقاذ".
غير أن ارتباط تجارة المخدرات تاريخيًا بالسوق الأميركية الضخم وعدد المتعاطين الكبير نادرًا ما يظهر في الخطاب نفسه.
عند رفض كاراكاس الاصطفاف السياسي والتبعية الاقتصادية، صُوّر النظام الفنزويلي تهديدًا إقليميًا. فُرضت العقوبات، ودُعمت محاولات تغيير السلطة، ثم اتسعت الإجراءات لتطال رأس الدولة نفسه عندما استمر في تحدي الضغوط الخارجية.
تربط هذه الحالات خيط واحد حيث تتعامل واشنطن مع تحديها والخروج عن طوعها.
يعكس هذا النمط سلوك قوة تملك أدوات التأثير لكنها تتوجس من أي تحول يبدل توازن النفوذ، فتسعى إلى ضبطه عبر إعادة تعريف الخصم لا عبر التفاوض معه.
إيران حين تفشل الشيطنة
تُمثل إيران الخصم الأبرز للولايات المتحدة في العقود الأخيرة، إذ شكّل قيام نظامها الإسلامي الذي فرق بين الحقّ والباطل وساند المستضعفين تحديًا مباشرًا للهيمنة الأميركية في المنطقة. لذلك وُضع خطاب شيطنتها في صدارة السياسة الأميركية وجرى توصيفها بالدولة الراعية للإرهاب، والتي تشكل خطراً نووياّ رغم أن الخطر يتمثل في الولايات المتحدة التي يمكن تصنيفها مصدر عدم استقرار عالمي.
لكن بخلاف الحالات السابقة لم يفلح هذا الخطاب في أن يكون مقدمة لإسقاط النظام. فقد اصطدمت محاولة العزل بمجموعة عناصر حدّت من فعاليتها:
حيث تمتلك إيران حضورًا إقليميًا يمنع عزلها، وتحافظ على قاعدة شعبية متماسكة تلتف حولها عند كل مفترق، كما تملك قدرات ردع عسكرية فعلية
وتعتمد اقتصاديًا على مواردها الذاتية لا على الغرب. ما يجعل أي مواجهة عسكرية معها مكلفة.
يكشف تتبع الحالات المختلفة أن خطاب الشيطنة أداة سياسية ثابتة لبناء شرعية التدخل. تنجح حين يكون النظام هشًا أو مرتبطًا بالخارج، ويتراجع حين يمتلك مقومات الصمود.

■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى