شدُّ حِبالٍ… من سيصرخ أولًا؟

14

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

الإستشارات المُستَتِرة الجارية بين الصروح السياسيّة اليوم، تخفي عمق “أزمةِ الحكمِ” التي مُنِيَت بها الطبقة السياسيّة كنتيجةٍ طبيعيّةٍ لتغييبِ منطقِ “تغيير نهجِ الحكمِ” الذي دفع بالاوضاع اليوم إلى حدّها الأقصى، بالاضافة إلى وقوعِ لبنان تحت “حسدٍ دوليٍّ”.

الجميع، ولو في الكواليس، يتحدَّث عن صعوبةٍ في الدمجِ “الحكومي” بين مُتَطلِّبات الشارعِ المُنتَفِض والتوازنات التي تفرضها الأحزاب في البلاد والنصائح الدوليّة المُتصاعِدة، وهذا التضارب هو المسؤولُ عن إبتكارِ حلولٍ “هجينةٍ” يعتبر المُخضرمون في السياسةِ، أنّها ستُسفِر في حالِ تطبيقها عن إنتاجِ أزمةٍ أعمقٍ وأعنفٍ من التي نشهدها حاليًّا.

هذا وأنّ الولايات المتحدة وبعض الدول الخليجيّة دخلوا عاملًا “مخرِّبًا” على السّاحةِ المحليّةِ. ولو أنّ رئيس حكومة تصريف الأعمال ينفي دفعه بإتجاه الاستقالة من قبلهم وأنّه “فعلها” بملء إرادته تحت عناوين محليّة، بيد أنّ الأجواء المتوفرة توحي بتشابهٍ بين ما حدث في 29 تشرين الأول الماضي وما وقع عشية الاستقالة المغلوب على امرها في 4 تشرين الثاني.

وقتها، كان الهدف إخراج سعد الحريري من التسوية وحزب الله من الحكومة، وها هو المشهد يتكرَّر مع النيّة نفسها، إنّما بإضافة حلفاء حزب الله لإخراجهم تحت ذريعة تسبّبهم بالأزمة، الأمر الذي يُعدّ مدخلًا لتعديل المنهج السياسيّ القائم من بوابة تركيب الحكومة وفق نموذجٍ جديدٍ.

المشكلةُ والمصيبةُ، أنّ من هم “فوق” لا يرضون لغاية السّاعة التنازل عن جزءٍ من مُكتَسباتهم السياسيّة لمصلحةِ الشارعِ أو لجزءٍ موثوقٍ منه، بدعوى “الشكِّ” بأمره، وهو ما يزيد المراوحة الحالية بين الفوضى و”اللافوضى”.

ثم أنّ هناك سببًا إضافيًّا يزيد من عمقِ الحالةِ، يتمثل بثقافةِ “غيابِ الثقةِ” بين الكتل التي يُفترَض أنّها موكلة الحكم في البلاد، وهذه تتصرَّف كما وأنّها غير متحالفة أو منضوية ضمن تسويةٍ سياسيّةٍ، بل وكل منها يبحث عن مصالحٍ خاصّة متجاهلين ما يحدث في الشارعِ.

هناك جزءٌ يرمي على رئاسة الجمهورية مسؤولية التأخير في المساهمة بإنتاجِ حلٍّ للازمة على الرغم من أنّ حركةَ الشارعِ السياسي، أثبَتَت، أنّ “الرئاسة” تعدّ العامل السلبي الأخير الذي يستقرّ في قعر اللائحة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها مسؤولة.

صحيحٌ، أنّ الرئاسة تتلكّأ في الدعوة إلى استشاراتٍ نيابيّةٍ مُلزِمَة لتسمية رئيسٍ جديدٍ للحكومةِ، لكنها في المقابل، تُسرِّع في عمليّة إنتاج الحكومة، على إعتبار، أنّ الاتفاقَ قبل التأليف على التشكيلة ولو أنّه يُزعِج البعض دستوريًا، لكنه في مكانٍ آخر يُنقِذ البلاد من الجلوسِ على قائمةِ انتظارٍ لفترة تتراوح بين 9 أشهر وسنة لتشكيل الحكومة الجديدة!

في مجالٍ آخر، فإنّ تأخيرَ الدعوة إلى إستشاراتٍ تفتح شهيّة المُنتَقِدين الذين يبحثون عن “آياتٍ دستوريّةٍ” للطعنِ بالخطوةِ، في ظلّ تلويحهم باتخاذِ “خطواتٍ سياسيّةٍ” بدءًا من الأسبوع المقبل.

في الواقع، إنّ المعلومات المتوفرة كلّها تصب في النقطة نفسها، حيث “لا إستشارات نيابيّة إلّا بالاتفاق على تركيبةِ الحكومة، وطالما أنّ الاتفاقَ ليس في المتناول، معناه بأننا سنبقى نراوح إلى أجلٍ غير مسمى. وعلى هذا الأساس لا مانع في تأخير مضبوط السقفِ يأتي مقرونًا بإتفاقٍ”.

ثمّة من يدّعي قولاً، أنّ الرئاسة بتصرّفها هذا، تفرض بالممارسة اعرافًا جديدةً تتصل بطبيعة تشكيل الحكومة التي يجب أن تبدأ من مسارٍ مُحَدَّدٍ، تكليفًا ثم تأليفًا، وهذا الكلام يعود بالاتهام إلى المنطقِ السّابقِ الذي يتحدَّث عن إعادة صلاحيات رئيس الجمهورية التي سُلِبَت منه في إتفاق الطائف، بالممارسةِ لا النصوص.

وللحقيقةِ، هناك من يجد في تصرّفِ الرئاسة الحالي محفِّزًا على تشكيل الحكومة وهي التي تعلَّمت من تجربة التكليف السّابق، ولو أنّ التدبيرَ المُتَّخَذ يأتي من خارجِ النصوصِ، لكن من الضروري القبول به لأننا اليوم نعيش في حالةٍ استثنائيّةٍ ويجب بالتالي، اتخاذ خطواتٍ استثنائيّةٍ، ولو أنّها قد تكون بالنسبة الى البعضِ اجتهادات غير دستوريّةٍ.

هذا التبريرُ، ينعكِس على الواقعِ. حيث أنّ على الأرضِ، هناك نشاطٌ واضحٌ يُقام في سبيل إنتاج حكومةٍ خلال وقتٍ سريعٍ، وهذا يُحسَب على الرئاسة وابتكارها أعلاه.

وعلى ما يبدو، أنّ الجميع ذاهبٌ بإتجاه اعتماد حكومة تكنو – سياسية، أيّ ابتكار تشكيلةٍ تخلط بين من هو سياسيٌّ والتكنوقراطي.

وفي المعلومات، أنّ الاحزاب السياسيّة تتَّجه إلى خيار تسمية وزرائها من أركانها، في مقابل، تجيير حصّة منها إلى الحَراكِ الشعبي الذي عليه أن يأتي بوزرائه من التكنوقراط أصحاب الخلفيات السياسيّة التي تصلح لإدارة مواقعهم.

وبخلافِ الكلامِ القائلِ حول التشكيلة الحكومية الجديدة سيكون غائبًا عنها الرئيس سعد الحريري، إذ تؤكِّد مصادر سياسيّة واسعة الإطلاع لـ”ليبانون ديبايت”، أنّ الثنائي الشيعي أبلغَ الرئيس المُستقيل رفضه لحكومةٍ لا يرأسها، وبالتالي، يتحوَّل رفض الثنائي هذا إلى عائقٍ يمنع ولادة الحكومة، على أن يبقى إعلان التسمية رسميًا على عاتقِ السيد حسن نصرالله الذي سيطلّ يوم الإثنين المقبل.

في المقابل، يسعى الحريري إنطلاقًا من هذا الموقف، إلى تعزيز أوراقه التفاوضيّة، عبر منحِ “قدرةٍ أكبر” للحكومة الجديدة للتحرّك في الملفات السياسيّة، لكن هذا يأتي مقرونًا بالاتفاق الأساسي حول شكل الحكومة.

بالنسبة إلى حزب الله، فقد توصَّل الى قناعةٍ، بأنّ التخلي عن مكتسباته السياسيّة التي حقَّقها تساوي توفير إحتمالات ضربه سياسيًّا، لذلك لن يقبل بخيار حكومة تكنوقراط صافية أو سياسيّة “باهتة”، بل يقبل بحكومة تكنو – سياسة شرط عدم المسِّ بتوازناتها السياسيّة.

ووفق مصادر مطلعة على موقفه، أنّ المرحلة الحالية باتت سياسية وبالتالي تحتاج إلى حكومة سياسية، ولا مانع من تنقيحها بـ”تكنوقراط” من أصحاب الإختصاص، سواء عبر الحَراكِ أو غيره.

وفي المعلومات، أنّ حزب الله يعتبر أنّ حكومة التكنوقراط الصافية هي وسيلةٌ يسعى البعض وراءها من أجل إخراجه من الحكومة مع حلفائه، وفق مقتضيات البرنامج الأميركي.

وعلى ذمّةِ المصادر المطلعة على موقفه، أنّ حكومةً من هذا القبيل ستتحوَّل لاحقًا إلى حكومة منصاعة إلى ضغوطاتٍ خارجيةٍ، ومن المنطقي أن لا تحتمل تلك الضغوطات وأن تتحوَّل إلى أداةٍ مغلوب على أمرها، لطبيعةِ تركيبتها وفقدانها الثقل السياسي على صعيدِ مجلس النواب والأحزاب، فلماذا نقحم أنفسنا في مشكلة منذ الآن؟

من حيث الشكل، حزب الله أبلغ الحريري برزمةِ مطالبٍ يريدها على صعيدِ الحكومة بطريقةٍ غير مباشرة عبر قناة بري – علي حسن خليل. ثم أنّ رئيس مجلس النواب كان قد استهلَّ النقاش بوضعِ الحريري بصورةِ أنّه “مطلوبٌ للرئاسة شيعيًّا” مانحًا له غطاء الثنائيّة الكامل.

ويُقال، أنّ الحريري لم يكن متردِّدًا. وفي المعلومات، أنّ الفريق الشيعي يقبل بحكومةٍ خالية من “الوجوهِ البارزة”.

في المقابل، لن يكون الوزير جبران باسيل وتياره الفريق الذي سيتكبَّد أثمان التضحية. في الأصل، هو ألمحَ في السّاعات الماضية أمام نواب تكتله، أنّه مستعدٌ للبقاءِ خارجِ الحكومة، وعلى الأرجح، فإنّ التضحيةَ التي في واردِ تقديمها، لا بد وأن يكون لها الثمن الذي يتّصل بطبيعةِ التمثيل الذي لا بدّ أن يكون وازنًا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.