دولة لبنان ومنظومة الفسادِ والافساد على خط الزلزال الجيواستراتيجي…

69

الاستاذ الباحث شوقي متيرك

مما لا شك فيه ان الواقع السياسي والاقتصادي الراهن الذي يعيشه لبنان ، هو تعبير حقيقي وإرهاصات تاريخية وإجتماعية عن التكوين السياسي والطائفي لهذا البلد، وان تتبع مساراته التاريخية بأقانيمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والطائفية تبرز كثير من النقاط التي يمكن من خلالها التأسيس على جملة من الفرضيات العلمية والمنطقية والتي بطبيعة الحال ستقودنا الى معرفة وتبيان الظواهر التي تمر بها البلاد في الآونة الأخيرة..

ولا بد في هذا المقام من التذكير ببعض المحطات التاريخية التي تؤسس بطبيعة الامر الى سياقات فكرية يمكن من خلالها للمراقب المتبصر ان يستشف العديد من النتائج التي تقدم قراءة اكثر واقعية واكثر أناة لمجريات الاحداث في ساحتنا الداخلية..

ان من يريد تحليل الظاهرة اللبنانية بفرادتها سواء ذات البعد الايجابي او السلبي، يقتضي منه ان يكون عالما بادوات الصراع الدولية، وبماهية الحروب ، وبمخططات الدول لاصطناع مكونات اجتماعية تضفي عليها سمة الدولة لاحقا بغية اسباغ المشروعية الدولية عليها..

ان لبنان الذي اصطنع خلال الانتداب الفرنسي في العام ١٩٢٠، كانَ معدا لتحقيق وتنفيذ فكرة اساسية وجوهرية هو في ان يكون دولة للأقلية المسيحية في المنطقة، وتحديدًا للطائفة المارونية دون غيرها من الطوائف، وقد ساهم العديد من المفكرين اللبنانيين في هذا السياق، بترسيخ وبلورة مفهوم هذه الفكرة ، عبر إسهاماتهم الفكرية والقانونية ومنهم على سبيل المثال لا الحصر المفكر اللبناني ميشال شيحا ذو الاصول الآشورية، إذ ان فكرة الكيانية اللبنانية ، والدور والمرتجى من هذا الكيان اللبناني ، تحددت اولوياته ونطاقاته ورؤاه الفكرية في ان يكون صلة وصل بين الشرق والغرب ليس بالمفهوم الاقتصادي الايجابي للكلمة بل بمفهوم دولة الخدمات البينية التي تعطي للتجارة اولوية، في حين ان قطاعات الانتاج الاساسية التي لا يمكن لاية دولة ان تتقدم من دونهما ونعني بهما قطاع الصناعة والزراعة أضحيا مغيبين ومهمشين ، في ظل مفهوم أرادت الطبقة السياسية التاريخية ان تؤسس مداميكه وبنيته ونعني به مفهوم دولة الخدمات، ومن هنا فقد كان من غير المستغرب رؤية أغلبية الطبقة السياسية في ذاكَ الزمن وتحديدًا النواب، تتقاضى رواتبها منْ منظومة مصرفية أُسسها هذا المفكر اللبناني ميشال شيحا بالتعاون مع هنري فرعون تحت مسمى بنك شيحا وفرعون…

من هذه المنطلقات التاريخية، والاجتماعية والطائفية، يمكننا ان نفهم جوهر الكيان اللبناني، بأبعاده وأنساقه المعرفية ودلالاته البنيوية، وتماهيه مع اللعبة الدولية في حينه، فلعبة الفساد السياسي إذاً لم تكن قاصرة على ما نراه حاليا لدى طبقتنا السياسية في العام ٢٠١٩، بلْ ان جذور الأزمة السياسية والاقتصادية اصطبغت بهذه الحدية من الانهيار الاخلاقي والقيمي، والتماهي المطلق في تقديس المال لشراء الذمم وجعل الاقتصاد اللبناني رهينة لأهواء كارتيلات سياسية طائفية، أفرزت بطبيعة الحال تشريعات وقوانين هي أبعد ما تكوّن عن تشريعات وقوانين تؤسس لمباني دولة قادرة مستدرِكة تستطيع ان تحارب الفساد وتنجز أسس الازدهار بكافة اشكاله وأبعاده المؤسساتية.
ان المراقب الموضوعي والمحلل السياسي الحصيف، يكاد يدرك بسهولة ويسر ، ان المنظومة التشريعية التي أنتجت القوانين وسنت التشريعات المؤسسة لدولة لبنان الكبير، غلّبت قطاع الخدمات كمقدمةً لترسيخ الدور الذي يقتضي ان يلعبه لبنان ، وغيبت او لنقُل همشت بشكل جذري القطاعات الإنتاجية والتي ذكرناها اعلاه اي الزراعة والصناعة ، من اجل إبراز الهوية التي يجب ان يلعبها هذا البلد ، وما ظاهرة الفساد السياسي في العهود الرئاسية ابتداءا من بشارة الخوري وصولًا الى كميل شمعون، الا مصداقا حقيقيًا يكرس ما قلنا سابقا وهو الدور الذي يجب ان يلعبه هذا الوطن من خلال مترادفات، ومعادلات تقول ان السياسة الإقتصادية لا يمكن ان تتطور وتبتنى دعائمها الا عبر ادخال اساليب الفساد السياسي في مختلف القطاعات، وهذا ما تقوله لنا وثائق الأرشيف السياسي اللبناني وكثير من الكتب السياسية التي تناولت هذه الحقبة التاريخية الدقيقة، من ان ظاهرة العمولة أو السمسرة كانت تصبغ الحياة السياسية بكلها وكلكلها من اعلى الهرم السياسي الى ادناه، فلم ينجو اي مشروع اقتصادي لبناء مرفق عام، او قطاع معين، او انشاء البنى التحتية، من هذه اللوثة ، وعممت هذه الظاهرة اللاأخلاقية على مجمل البيوتات السياسية المرموقة في تلك الحقبة..

وهنا يقتضي ابراز ناحية اساسية لا بد ان تأخذ مجالها من التمحيص والتدقيق، وهي ان طبيعة الكيانية السياسية اللبنانية ، والمفاهيم التي أرسيت حول الدور والمرتجى من لبنان، أجابت بشكل واضح، عن كثير من الاسئلة التي يمكن ان تطرح على هامش البحث السياسي والاجتماعي، من غلبة المكوّن الطائفي المسيحي على غيره من المكونات ونعني المكوّن الشيعي والسني والدرزي مجتمعا، فمن خلال استقراء المعطيات المثبتة يتضح ان الطائفة المسيحية كانت في حينه تستأثر بالتعليم والوظائف العامة ، فتذكر بعض المصادر ان من اصل ٦٠٠ مدرسة في لبنان كانت الطائفة المسيحية تستحوذ على 585 مدرسة في حين كان الطائفة السنية 13مدرسة، وتملك الطائفة الشيعية اثنتان فقط…
تأسيسا على ما تقدم ، ومن خلال هذا السياق التاريخي الملتبس، يمكننا تأطير وكودرة وفهم السيرورة الناظمة للوطن اللبناني، وانه لمن المفيد القول ان هذا النظام السياسي الفاسد، قد اهتزت مفاصله في عهد الرئيس فؤاد شهاب، الآتي من المدرسة الحربية، ومن خارج الحياة السياسية ذات الطابع الزبائني، اذا انه أراد من خلال رؤاه الاصلاحية، ان يعيد تأسيس الدولة على منظومة جديدة من العدالة الاجتماعية والشفافية، وتكريس مفهوم الدولة الراعية بابعادها القانونية ذات الطابع المؤسساتي، الذي يبرز مفهوم المواطنية بأبعاده كافة، فكان بذار هذه الورشة الاصلاحية جملة من المؤسسات الرقابية، وإصدار قوانين مؤسسة لا زال لبنان الحديث يعيش بأنوارها ووهجها الوطني، غير ان منظومة الفساد والافساد أبت ان تستسلم لهذه الموجة الاصلاحية العارمة، فما لبثت التجربة الشهابية الفريدة ان وقعت مضرجة بدمائها على يد الحلف الثلاثي الذي عاد واستولد من جديد منظومة الفساد والارتهان الى الزبائنية السياسية القاتلة في المشهد السياسي العام، ولكأن قدر لبنان دوما ان يواجه اعاصير من التدمير الممنهج وعدم امكان التغيير لبناء دولة العدالة الاجتماعية ودولة المؤسسات..

ومما لا شك فيه، ونحن نقارب هذه السيرورة التاريخية من ذِكر الدور التأسيسي الذي قام به الامام موسى الصدر في أواسط ستينات القرن المنصرم، عندما قام بإحياء مشروع الدولة المواطنة، وليس الدولة الطائفية، فأعاد الطائفة الشيعية المهمشة من بلاد الطفار، والخوف، الى رحاب الدولة التي ارادها كما اسلفنا على شاكلة رؤاه الاصلاحية والتأسيسية، اي دولة النزاهة والكفاءة، والدولة العصرية التي يحلم بها مطلق مواطن لبناني، فكان تأسيس المجلس الشيعي الاعلى ليس ردة طائفية في مواجهة الطوائف الاخرى بقدر ما كان تأسيسا لمشروع اعمق واكثر دلالة وصوابية هو في ادخال مفهوم المواطنية ومفهوم ان هذه الطائفة هي مكوّن اساسي من مكونات لبنان وبالتالي، فلا يقتضي ان تكون خارج حركة التاريخ السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي..

ان الحقبة الحديثة للبنان ، وتحديدًا بعيد الاجتياح الاسرائيلي لأراضيه، تكاد تعطينا فكرة واضحة لا التباس فيها على ان منظومة الفساد السياسي لم تقتلع اطلاقا، فهي متجذرة تماما في المنظومة المؤسساتية للدولة، فعهد أمين الجميل بكافة التباساته التأسيسية وعهد اخيه بشير الجميل ، والعلاقة الاسرائيلية اللبنانية في تسويغ مبدأ العمالة والتحالف الاستراتيجي من اجل طرد (الفلسطيني) استمرت في نهش آخر قلاع المؤسسات الوطنية، وقد ساهم حكما الاسرائيلي، في مد هذه الطبقة بالمال بغية تحقيق مآربه الاستراتيجية، وقد نجح كثيرا، متعاونا مع منظومة الردة العربية في حينها من أقطار الخليج ومصر السادات…

انها بحق لعبة الزمن الملتبس بتماهياته كافة، وافكاره المتناقضة والملتبسة ، فبعد ان كانت الطائفية السياسية عرفا في دستور لبنان ما قبل الطائف، جاءت اتفاقية الطائف التي هي وليدة تفاهمات دولية محددة لتكرس مفهوم الطائفية في الدستور اللبناني، وكأن اتفاق الطائف، كان هو الآخر منطلقًا تأسيسيًا اصطنعته الولايات المتحدة مع أفرقائها في المنطقة، كي توجد هذا الستاتيكو السياسي الهش داخل منظومة الاجتماع السياسي اللبناني، ولتظل لعبة الشطرنج ولنقُل لعبة الأواني المستطرقة هي الضامن الحقيقي، لمقولة استبقاء المزارع الطائفية بشكل متصارع للفوز بجبنة السلطة وتقسيم الغنائم وحلب ضرع الدولة ، في شكل تشريع قل نظيره لمعادلة الإنفاق وهدر المال العام دون حسيب او رقيب، ودون ناظم قانوني يمكنه من معاقبة كل من اغتنى على حساب المال العام…

من هذه اللحظة التأسيسية للبنان ما بعد الحرب الأهلية، يمكننا ان نقارب الدور والمهمة التي اضطلع بها الرئيس رفيق الحريري، اذن انه لا يمكن للقاصي او الداني، او للمحلل الموضوعي، من الاشارة بشكل لا لبس فيه، ان معادلة الفساد السياسي تمظهرت بأعلى صورها في آلية ممارسة السلطة العامة في الحقبة التي سميت اصطلاحا بالحقبة الحريرية ، اذ ان الرئيس الحريري لم يجد حرجًا او غضاضة، في تنفيذ المشروع الذي صاغته الدول الكبرى ونعني به مشروع السلام مع اسرائيل في حينه، والذي تمخض عنه، اتفاقية أوسلو ووادي عربة، عبر إيهام اللبنانيين بان السلام آت لا محالة، وان المبادرة العربية التي اطلقها ولي العهد السعودي في حينها الأمير عبد الله، في قمة بيروت ، فكان الرئيس الحريري عراب هذه الخطة، والتي أجهضتها المقاومة وحزب الله في الأعوام ١٩٩٣و ١٩٩٦، و٢٠٠٠…..
كانت مهمة رفيق الحريري، تتماثل وتتماهى مع مفهوم ما اصطلح على تسميته بالقاتل الاقتصادي، او القرصان الاقتصادي وفق ما جاء في كتاب المفكر الأمريكي الاقتصادي جون بروكينغ، اذ تتحدد وتتمحور مهمة هذا القرصان الاقتصادي، والمرتهن حكما لاجهزة الاستخبارات الامريكية هو في جعل الدول النامية ( نيكاراغوا، وغيرها من دول امريكا اللاتينية) تقبع في وحول وادران الإقراض وبمبالغ هائلة، ضمن آليات شراء الذمم وإفساد الطبقة السياسية عبر جعل كل مشروع عام مرتكزا للنهب المنظم، وفق اصطناع زيادة سعر تكلفته الحقيقية الرسمية، سعيا لاخذ حصة او كومسيون كما اسلفنا سابقا، فكان هدر المال هو السمة الاساسية لجل الطبقة السياسية اللبنانية ..
وما يحصل حاليا هو استكمال طبيعي للجريمة الاقتصادية المنظمة التي ساهم الرئيس الحريري في ابراز صورها، المقيتة، عبر تكريس نهائي للوظيفة الاقتصادية في لبنان، بجعل الدولة اللبنانية بمرافقها كافة رهينة لجشع واحتكارات المصارف، وقوة كارتيلات الاستيراد من الوكالات التجارية الحصرية التي تدور في فلك عدد من دهاقنة السياسة اللبنانيين، وأباطرة المال ، وتحالف زعماء الطوائف ضمن منظومة ولعبة جهنمية لا مثيل لها في تاريخ الدول على مر الازمنة…
فعندما يصبح النظام الاقتصادي اللبناني قائمًا بكليته على تقديس واستسهال الإقراض ورفع الفوائد الى معدلات جنونية لا يمكن ان يتصورها اي مبتدئ في علم الاقتصاد ، فان المنظومة الاقتصادية حتما ستصاب بترنح شديد ، وعجز مطلق، ودوران نهائي في الحلقة المفرغة التي ستوصلنا الى الحضيض والى الانهيار الاقتصادي الشامل كما يحدث الان ..
ان كل هذا الضغط الاقتصادي على منظومتنا الاجتماعية ، هدفه الاول والاخير رأس المقاومة، فما لم تقدر عليه الولايات المتحدة عبر اسرائيل في الميدان، تحاول ان تقوم بتنفيذه عبر مفهوم القوة الناعمة، وما الحرب التي حدثت في سوريا، والتي استطاعت فيها المقاومة ان يكون لها اليد الطولى في وقف مشروع الهيمنة الامريكية، يبرز الدور الخطير الذي تقوم به امريكا حاليا في محاولتها ابتزاز المقاومة وتحديدًا حزب الله وحركة أمل، من اجل ان تأخذ تنازلات سياسية لم تستطع ان تأخذها في كافة الحروب التي قادتها بواسطة أزلامها في المنطقة من اسرائيل وبعض الدول العربية المتآمرة وخاصة دول الخليج العربي، فهل منْ متبصر يعي بحق المعادلة الحقيقية، وبيفهم ان معادلة القوة التي أرستها المقاومة عبْر معادلة الشعب والجيش والمقاومة، هي التي تؤسس حتما لبناء دولة عادلة قادرة ومقتدرة؟؟؟؟
من اليقين بلا شك، ان سماحة السيد حسن نصر الله، ودولة الرئيس نبيه بري، هما اللذان يملكان كل مفاتيح اللعبة السياسية اللبنانية، بفضل استشرافهما المميز ، وكل الطبقة السياسية هي بيادق في لعبة الشطرنج الدولي والداخلي، فهل من يفهم ويعي جوهر القرار الحقيقي والسليم؟؟؟؟
ان الحل يكمن في تبصر الواقع على حقيقته دون أصباغ او الوان زائفة، او اوهام قاتلة، فبناء الدولة هنا، ومن رحم هذه القناعة الوطنية تولّد لا محالة الحلول النهائية لأزمة وطن وهوية…

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.