حكومة الزرفي في العراق والعملية السياسية الميتة

7

عوني القلمجي- العربي الجديد

23 مارس 2020

“ولتعلموا أن صراع السياسيين الشيعة الذي ما عاد يطاق هو ما غيّر آلية الاختيار”.. هذا ما قاله شاهد من أهل البيت، مقتدى الصدر، عن فشل المليشيات المسلحة السبع في العراق في اختيار رئيس وزراء جديد، على الرغم من وجود مبعوث الولي الفقيه الإيراني، علي شمخاني، خليفة الجنرال قاسم سليماني في العراق، وإشرافه على الاجتماعات التي دامت أكثر من أسبوعين. بمعنى أوضح، لولا الخلاف الذي حصل داخل لجنة المليشيات السبع، لاختيار رئيس وزراء، لما تجرأ رئيس الجمهورية، برهم صالح، على التفرد بتكليف عدنان الزرفي بهذه المهمة، وعدم اهتمامه بالخلاف الذي نشب بين المحكمة الاتحادية التي شرعنت قراره ومجلس القضاء الأعلى الذي رفض القرار.
هل سيتمكن الزرفي من تشكيل الحكومة ونيل ثقة البرلمان، والوفاء بوعوده الوردية؟ أم أنه سيلاقي ما واجهه محمد توفيق علاوي الذي أسقطت المليشيات المسلحة حكومته قبل أن ترى النور؟.. “لن يمرّ تكليف عدنان الزرفي لرئاسة الحكومة”، هذا شعار باتت ترفعه أغلب المليشيات المسلحة الموالية لإيران، وبدأت تعدّ العدة لإجباره على التراجع عن مهمته، وأبرزها دولة القانون بزعامة نوري المالكي، والفتح بزعامة هادي العامري، وعطاء بزعامة فالح الفياض، وحزب الفضيلة الذي يتزعمه محمد اليعقوبي، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي. وقد تجسد ذلك في اجتماعهم في بيت عمار الحكيم، والذي نتج عنه تقديم رسالة إلى برهم صالح، تطالبه “باختيار مرشّح آخر لتولي مهام تشكيل الحكومة الانتقالية المقبلة”. إضافة إلى رسائل سبقتها تشم منها رائحة البارود، من قبيل “أن الرئيس العراقي تجاوز الدستور وخرق العادات والأعراف”، أو أن الكيفية التي تم فيها تكليف عدنان الزرفي تهدّد السلم الأهلي
والنسيج الوطني”. أو “ما حدث هو تجاوز لكل السياقات الدستورية والأعراف السياسية”، لينتقلوا بعدها إلى لغة التهديد، مثل “نعلن رفضنا الواضح هذا المسار، وما نتج عنه من تكليف، وسنستخدم كل الطرق والوسائل القانونية والسياسية والشعبية لإيقاف هذا التداعي الذي إن استمر فإنه سيهدّد السلم الأهلي ويفكك النسيج الوطني”. في حين قال القيادي في تنظيم عصائب أهل الحق، جواد الطليباوي، إن ما حدث يشكل “مؤامرة حيكت بالظلام” وهدّد بلغة نارية “بأنهم لن يسمحوا بها، ولن يسكتوا عنها وسيقلبوا عاليها سافلها على الأسياد والعملاء والمتآمرين”.
لا يمكن عزل ما يجري من خلافات عن أميركا وإيران، حيث يتصارع الطرفان لنيل حصة الأسد من الرئاسات الثلاث، فإيران تمارس علنا الضغوط على المليشيات المسلحة لإنهاء خلافاتها، من خلال مبعوثها علي شمخاني، واختيار مرشح بديل على وجه السرعة. وفي الوقت نفسه، تحاول إرهاب عدنان الزرفي لإجباره على التخلي عن التكليف. حيث وُجّهت له اتهامات عديدة، ومنها وصفه بالعمالة لأميركا، واعتبارة أحد رجالاتها أو صبيانها. بل وتهديده، بطريقة مبطنة، بتصفيته جسديا. في حين تبذل الولايات المتحدة وسفيرها في بغداد الجهود لكسب تأييد أتباعها من الأحزاب الكردية والكتل السنية، والمؤيدين لها من أعضاء البرلمان لتمرير حكومة عدنان الزرفي. إضافة إلى مغازلة الثوار، من خلال التركيز على تعهد الزرفي إنهاء المليشيات المسلحة، وحل البرلمان، وإجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة. وإذا انضم زعيما كتلتي سائرون والنصر، مقتدى الصدر وحيدر العبادي، إلى المؤيدين للزرفي،
فإن إمكانية نجاحه في نيل الثقة ستكون كبيرة، إذا لم تكن مضمونة. أما ثوار العراق فقد أعلنوا رفضهم الزرفي ببسالة، ليس انتصارا لأميركا أو إيران، وإنما كونه لا يتوفر على مواصفات الثوار في اختيار رئيس الوزراء، فهو غير مستقل، ومشارك في العملية السياسية، ومتهم بالفساد، ويحمل الجنسية الأميركية.
لندع هؤلاء يتصارعون على المناصب والمغانم وخدمة المحتل، فهم فقدوا الغيرة منذ قبلوا لعب دور العميل لقوى الاحتلال وتنفيذ مخططاته الغادرة، سواء كان المحتل أميركياً أو إيرانياً. ولو لم يكن الأمر كذلك، لبادرت هذه المليشيات إلى إعادة النظر بمواقفها المخزية واهتمت قليلا، ولو من باب الخداع والتضليل، بمطالب الثوار، ولبت جزءا منها، أو على الأقل تكليف رئيس وزراء مستقل، لا أن تنصبّ جهود قادتها على عقد الاجتماعات لتكليف شخصيةٍ من بينهم، تضمن لهم مكتسباتهم غير المشروعة، وتؤمن لهم الحماية من أية مساءلة قانونية. وقد أكد هذه الحقيقة ممثل عمّار الحكيم في اللجنة السباعية، أحمد الفتلاوي، بقوله “المصالح الحزبية أدت إلى خلافات أكبر من القدرة على حلها”. في حين قال النائب كاظم الصيادي “أداء اللجنة السباعية، المكلفة باختيار رئيس الوزراء، مرتبك، بسبب الخلاف على المناصب، وهم مسيّرون وليسوا مخيرين”. ولكن لم يجرؤ أحدهم ويعترف بأن صراعاتهم تدور حول تقاسم المناصب والمغانم، وليس اختيار رئيس وزراء يخدم العراق وينقذه من محنته، فالمنصب في العراق المحتل تجارة رابحة ومضمونة، يصل مردودها إلى مئات الملايين من الدولارات، وأحيانا إلى عدة مليارات.
أكد كاتب هذه السطور، في مقال سابق في “العربي الجديد”، أن فشل محمد توفيق علاوي،
وسقوط حكومته قبل أن ترى النور، كان بمثابة شهادة وفاة للعملية السياسية، إذ لم يُسقطه البرلمان المزوّر الذي هو عماد العملية السياسية، وإنما تهديدات المليشيات المسلحة، وإذا حدث وواجه عدنان الزرفي المصير نفسه، فذلك يعد بمثابة شهادة وفاة للعملية السياسية من أطرافها أنفسهم، وخصوصا أن صراع الكتل والأحزاب لم يعد داخل البرلمان، كما يروجون، ظاهرة ديمقراطية صحية، والمحاصصة شراكة وطنية، بل هو الآن، أي الصراع، خارج إطار برلمانهم، وخارج عمليتهم السياسية وعلى المكشوف. ويؤكد هذه الحقيقة لجوء هؤلاء إلى عقد الاجتماعات المصيرية في البيوت، وليس تحت قبة البرلمان المتهاوية. وهذا يعني أيضا أن الصراع الأميركي الإيراني حول الرئاسات الثلاث سيجري في وضح النهار، وليس داخل الغرف المظلمة.
ما حدث وما قد يحدث، بصرف النظر عن النهايات السعيدة أو المصادمات، سيمنح الثورة العراقية مزيدا من المشروعية، وسيدفع الناس إلى نبذ أية مراهنة لإصلاح العملية السياسية من داخلها. كما ستعزل نهائيا القوى التي مارست الخداع والتضليل لإقناع الناس بوطنيتها، أو معارضتها العملية السياسية، مثل التيار الصدري وتابعه الحزب الشيوعي، أو ما يسمى التيار المدني، فقد أكدت هذه العناوين بطريقتها انتماءها بقوة لهذه العملية الاحتلالية. بل سيجتث العراقيون من عقولهم أي أمل بالإصلاح على يد هذه الحكومة أو تلك، أو هذا الرئيس أو ذاك. وستترسخ في المقابل قناعتهم أكثر فأكثر، بصحة شعارات الثورة التي حاول أعداؤها تصويرها شعاراتٍ متشددة، أو مبالغ فيه، فقد أثبتت الوقائع والأحداث الجارية، سقوط هؤلاء، السياسي والأخلاقي. ولو كان الأمر غير ذلك، لاستغلوا اندلاع الثورة العراقية، لتكون فرصة ثمينة لتبييض ملفاتهم السوداء، أو على الأقل تخفيف العقوبات عنهم، من خلال حماية المتظاهرين والاستجابة لبعض مطالبهم، واتخاذ خطواتٍ سريعة لإجراء إصلاحات جزئية، وتقديم بعض التنازلات عن مكتسباتهم غير المشروعة، على أمل إعادة الحياة إلى العملية السياسية، وربما انضمام قوى وأحزاب إليها بدل محاربتها، أو الوقوف ضدها.
أي متابع لما يجري في العراق، من داخله أو خارجه، لن يجد بعد الآن صعوبة في الوصول إلى قناعةٍ بأن العملية السياسية في هذا البلد قد انتهى مفعولها، وأن المليشيات المسلحة تحجّم دورها، وأن الفاسدين لن يتمكنوا، مهما حاولوا توظيف إمكاناتهم المادية والإعلامية وأقلامهم المأجورة، من خداع الناس بإمكانية القيام بإصلاحات جدية، أو تشكيل حكومة وطنية مستقلة، أو عابرة للطائفية. بل لا مجازفة في القول إن العملية السياسية ماتت، وإن كل أطرافها ستولي الأدبار، جرّاء افتضاح سقوطها السياسي والأخلاقي، وهذا سيقرّب الثوار من تحقيق انتصارهم النهائي. أما الذين يراهنون على أميركا، ومرشحها عدنان الزرفي، في إنهاء الدور الإيراني في العراق، أو تصفية المليشيات المسلحة، وإنقاذ العراق من محنته، لهو في ضلال مبين. إذ هناك احتمال بتحول وطني مهزوز إلى عميل، ولكن لا يمكن للعميل أو الفاسد أن يتحول إلى شخصية وطنية، ولا المحتل إلى محرّر.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.