حزب وعهد وحكومة: فرصة الفرص الضائعة

7
مطالب كثيرة يمكن جمعها تحت عنوان واحد: كيف يعطي حزب الله فرصة للبنان؟ (علي علّوش)

 

أحمد جابر- المدن

تحدث أمين عام حزب الله فشرح اقتصاداً وسياسة، وخاطب البعد الإقليمي والبعد الدولي، فكان في كل ما أدلى به أميناً لاعتقاده الخاص، ولم يكن عاماً في مقاربة المعضلات التي قاربها، لأنه لا يستطيع أن يكون عاماً في مقام الخصوصية، ولا يستطيع أن يكون تفصيلياً في شؤون العامة، لأن كل تفصيل في هذا المضمار، يلقي أعباء عامة على منطلقاته الخصوصية. لقد كان الكلام التفافياً، أي مواجهة المضمون “بمناورة” واسعة، وكان انزياحياً، أي تغليف المراد الأصلي بأغلفة تتناسب ألوانها مع محيطها، بحيث لا ينتبه الناظر أو المراقب أو الخصم إليها، وهذا درسٌ مستقى من “تكتيك العلوم العسكرية”، حيث المفاجأة والتمهيد لها، عاملان حاسمان للفوز في المعركة.

لكن التكتيك العسكري في مقام “المعركة” السياسية والاجتماعية غير ملائم، وهو غير مفيد أيضاً في الدلالة على الداء، للمساهمة في وصف وتصنيع الدواء، لذلك كان وما زال مطلوباً الذهاب إلى أساس الموضوع، أو أساساته وأساسياته، في الظرف اللبناني الحالي، الذي هو تتويج لمسيرة سياسية طويلة سبقت الطائف بحقبات، وكان حكم ما بعد الطائف مسؤولاً مباشراً عنها، منذ عقود بلغت الثلاثة حتى الآن، وتجاوزتها قليلاً.

طلب فرصة
العودة إلى طلب فرصة للحكومة الحالية، يجب تمييزها عن طلب فرصة للسلطة التي أمسكت البلاد والعباد منذ ثلاثين من الأعوام، والفرصة المطلوبة اليوم، هي رقم ضمن فرص عديدة ضائعة، يتجنب الحاكمون والمتحكمون الإشارة إليها، وهم إن استحضروها، يجعلونها مادة في سياسات التعطيل المتمادية، وذلك في سياق “التوافقية الطائفية”، وما تستتبعه من ميثاقية لا تجعل حكومة ما، “بتراء أو عرجاء”، حسب استجابتها لمكوِّن من مكونات التشكيلة الداخلية، ولحساباته السياسية الخاصة التي من شأنها أن تجعل “البلد” كله أبتر أو أعرج أو كسيحاً.

تذكير من واقع الحال
مرحلة الرئيس الراحل رفيق الحريري، كانت فرصة، لكنها ضاعت عندما جرى تلخيصها بقسمة عمل كان الرئيس الحريري طرفها الأضعف، وكان نظام الوصاية السورية الطرف الذي امتلك الجزء الأوسع من أسباب القوة فيها. الحريري يومها ارتضى أن يكون “حاكما إعمارياً”، وكان نظام الوصاية حاكماً إدارياً وسياسياً. الفرصة الحريرية الأولى فات زمانها، ورحلت “بترحيل” صاحبها، وما رسب منها في تربة السياسات استنبته الحريري الإبن في صيغة غرسة فرصة ثانية، لكن هذه الأخيرة كانت محكومة بالفشل، في ظل ظروف سياسية مختلفة، صارت فيها الوصاية داخلية أكثر، والوصيّ صار “خلطة” من وصيين إثنين، الأقوى منهما النظام الإيراني الذي أنقذ الوصي السوري من الانهيار، ولم يخرجه تماماً من دائرة القرار اللبناني، لأسباب يعلمها “الراسخون” في علم السياسات الإيرانية.

كفرص مضافة، يمكن إلحاق اتفاق الدوحة الذي أعطى الطوائف حق نقض استقامة الحياة السياسية الوطنية، ثم فرصة التسوية مع العهد الحالي، الذي عاد فأنتج صيغة ما بعد اتفاق الدوحة مشوّهة، وصيغة ما بعد الطائف ممسوخة، وأضاف إليها سوء وسيئات التشكيلة السياسية التي صارت أكثر شعبوية، وأكثر فساداً، وأكثر تجرؤاً على أذهان الناس، وعلى التصرف بمقدرات الثروة الوطنية، وأكثر استهتاراً بمصائر اللبنانيين الذين يدق العوز اليوم أبواب الأكثرية الساحقة منهم.

من يعطي الفرصة؟
من دون تغطية أو تمويه على القصد، ومن دون أخذ انتباه الناس إلى نقاش لا يمسّ مواضيع النقاش الفعلية، يجب القول أن أساس معاناة اللبنانيين يكمن في سياسات العهود المتعاقبة، وأن نسخة الفساد المستشرية الحالية أساسها سياسي، وفي طليعة كل سياسة مؤسِّسَة للفساد، يقف ترحيل القرار الوطني السيادي الداخلي إلى الخارج، وربطه بمحاور خارجية. هذه مناسبة للقول أن لا فرق بين متبوع ومتبوع، ولا فرق بين تابعٍ وتابع، فالنتيجة العامة واحدة: إضعاف كل عوامل المنعة الوطنية، وتبديد كل عوامل لحمتها واندماجها وانصهارها المجتمعي والوطني، ولا تسقط ملاحظة التمييز في هذا المجال بين تحالف مع أصدقاء يكون منوطاً بالدولة وبالمستويات الرسمية من دون سواها، وبين استقواء بخارج هو شكل من أشكال التبعية لا تغطيه كل الشعارات القومية أو الإسلامية أو الأممية.

تأسيساً على ذلك، من يطلب الفرصة للحكومة اليوم، عليه أن يبادر هو إلى إعطاء الفرصة للوطن الذي تتولى شؤونه هذه الحكومة. الفرصة التي على أمين عام حزب الله أن يقدمها، مضمونها سياسي واقتصادي واجتماعي. العنوان السياسي الأول، النأي بالنفس وفقاً لما تضمنه البيان الوزاري، والعنوان الثاني، التخلي عن إعلان سياسات الخصومة مع المحيط العربي، والعنوان الثالث العودة إلى الخطة الدفاعية التي نوقشت ووضعت على الرف الانتظاري، والعنوان الرابع فيه الرحابة حيال المختلفين سياسياً في الداخل، وفيه المساهمة في الحفاظ على موارد الدولة من خلال سدِّ كل منافذ التهريب والتهرب الضريبي، في كل الأماكن التي ينفذ منها الهارب من دفع الضريبة. هذه عيِّنات قليلة من مطالب كثيرة يمكن جمعها تحت عنوان واحد: كيف يعطي حزب الله فرصة للبنان، سيكون هو طرفاً مستفيداً منها، مثله في ذلك مثل كل الأطراف اللبنانية، وسيكون سلوك الحزب مثالاً يُطلب من الآخرين التشبه به، وكل آخر في السلطة الرسمية، وفي السلطات الشعبية، ليس فوق شبهة الإساءة إلى مجمل المصير اللبناني، بل إن الشبهة ثابتة بالأسماء والأرقام والأماكن، وبأحاديث الناس الذين يدلون على الجمع بكل الأصابع وكل العيون.

فرصة تسوية جديدة
الوضع دقيق وخطير، هذا معلوم، والغضب الشعبي عالي الوتيرة، هذا معروف، وما هو ملموس هذا التحرك الشعبي الذي ملأ الشوارع والساحات منذ شهور، ومع هذا التحرك من المجدي والمطلوب، إعادة إنتاج تسوية، هي فرصة اجتماعية لإعادة إنتاج ميثاق شعبي اجتماعي جديد. تتضمن التسوية الاستجابة للأساسي والداهم من المطالب الشعبية، وهذه يمكن تلخيصها في عنوانين إثنين: الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي، فهل كثير على لبنان أن يدق باب هذين الإصلاحين؟ وهل يمتنع على حزب الله المناداة بهكذا مطلبين؟ وليكن البحث اللاحق بين الجميع، فواقع اللوحة اللبنانية ليس اختزالياً، لكنه اليوم يشهد حالة إقصائية، ضمن التشكيلة السياسية التقليدية التي جرى تهميش أطراف منها، وضد التحرك الشعبي الذي جرى التصدي له، ونعته بأبشع الأوصاف.

فرصة؟ نعم. ليكن البدء من تكتيك الواقع الواضح، وليس من استراتيجيات إنكاره أو راهن له أو الاستخفاف به. البدء السياسي، ومن السياسة إلى فتح كل الأبواب.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.