حرب الحصص مقدسة أيضاً

3

دخلنا الشهر الثالث على التكليف، فشل “حزب الله” وحلفاؤه في تشكيل حكومة من لون واحد، برئيس لا طعم له ولا لون. والأنكى من ذلك أن هذا التحالف فشل حتى في تبديل الشكل، أي “التناتش” في الحصص بين مكونات الحكومة المقبل، وبإسم الطوائف، ولو أن المتصارعين من حلف واحد. لا يهم أقطاب السلطة إن كان البلد أمام أزمة مالية واقتصادية تتكشف فصولها المُظلمة، بل المطلوب التوفيق المستحيل بين حكومة طوارئ مصغرة، وبين الأنا المتضخمة لقادة الطوائف والأحزاب.

صحيح أن سعر صرف الدولار سيواصل صعوده، وسيرتفع معه معدل التضخم وتتقلص القدرة الشرائية للناس، وستشتد أزمة الاستيراد في قطاعات حيوية من الطب الى الغذاء والوقود. وصحيح أيضاً أن المزيد من الشركات ستُغلق أبوابها وتصرف موظفين، فيما تقترب مواعيد مهمة لتسديد ديون لبنان خلال أسابيع. كل هذا ليس مهماً لدى هذا الحلف السياسي، بل الأجندة الأهم اليوم أن يظهر النائب طلال أرسلان لمناصريه، في مظهر المدافع عن “حقوق الطائفة” في الحقائب الوزارية.

يفترض أرسلان بأن الدروز سيتذكرون موقفه المدافع عن الطائفة في انتخابات العام 2022. هل ينسى أبناء الطائفة الانهيار المالي والوجع الاقتصادي والقيود المصرفية، ويتذكرون موقف “المير” حيال نوع حقائب الطائفة وكمها؟ أي عقل سياسي يُفكر بهذا المنطق الملتوي؟

والعُقد ليست حكراً على “المير” وحده. ذاك أن هناك عقدة كاثوليكية أيضاً يُعبر عنها أحد نواب زحلة. للكاثوليك حق في حقيبتين، لا واحدة فقط في حكومة من 18 وزيراً. وأيضاً للحزب “القومي” وتيار “المردة”، حقوق في التمثيل بالحكومة يجب أن لا تضيع. لُب القضية أن هذه قوى حليفة لـ”حزب الله”، وبالتالي لها عليه “جميل” ينبغي حفظه في مثل هذه اللحظات. هي تُغطي التنظيم في مواجهة أعداء محوره والمطالبين بسحب سلاحه، وهو يُعطيهم في المقابل الحماية السياسية ويرد الجميل بـ”الغنائم” (الحقائب الحكومية) عند توافرها.

والحقيقة أن هذه التنظيمات الحليفة تعرف بأن الحقيبة تعني مورداً مالياً ومصدراً للخدمات الانتخابية. لا أسرار هنا، بل باتت الأمور مكشوفة على الملأ. كل وزارة خدماتية من العيار الثقيل تدر على الحزبيين، دخلاً وفيراً من خلال تجزئة المشاريع للتهرب من المناقصة، أو التلاعب بمداخيل الدولة وغيرها من الوسائل الملتوية. لذا يُصر بعض الأحزاب الرئيسية على ابقاء حقائبهم (وكأنها من مقدسات الطوائف)، بما أنهم تمرسوا في إدارتها ونهبها.

من الضروري فضح هذا التمسك بالحصص، على حقيقته المصلحية الضيقة، سيما أن القوى السياسية تتحجج في ذلك بالدفاع عن حقوق الطائفة. بالإمكان اليوم فتح السجل التجاري لشركات المسؤولين وأفراد عائلاتهم، ومراقبة نمو ممتلكاتهم العقارية خلال ولاياتهم على رأس الوزارات. ولو لم تتوافر المعلومات وتعذر الحصول على هذه الوثائق، تبقى الأعراس المليونية (لناحية الكلفة) دليلاً على الثراء غير المشروع.

محق “حزب الله” عندما يتحدث عن مسؤولية خصومه السياسيين ممن ارتأوا الخروج من اللعبة الحكومية، ومحاولة إلقاء اللوم على الآخرين. بعض الخارجين من السلطة، متورط في الفساد والهدر أيضاً، إن لم يكن بقدر أكبر. لكن للحزب أيضاً مسؤولية. صحيح أن “حزب الله” نفسه لم يُشتبه به في فساد الدولة، رغم ضعف أداء وزرائه. لكن التنظيم اليوم يُوفر تغطية سياسية لهذه الممارسات، ولم يصدُق مع جمهوره وأنصاره في رسم خط بين الماضي والحاضر كما وعد في انتخابات عام 2018 وبعد ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. والدليل على ذلك أن التنظيم لم يضغط على حلفائه للخروج من المناكفات، بل هو مصرٌ على تلبية مطالبهم وفقاً لمنطق “الغنائم”.

يوماً بعد يوم، يتراءى لنا أن حرب الحصص الدائرة الآن، “مقدسة” أيضاً، بدليل استمرارها بوقاحة، ووعد الحزب لحلفائه فيها صادق أكثر من وعوده للناس.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.