جريمة قتل جمال خاشقجي والقانون الدولي

2

عبد الحميد صيام
تلقيت عددا من الرسائل والمكالمات تسأل عن رأي القانون الدولي في موضوع ارتكاب جريمة حجز وتعذيب وقتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي داخل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول. ومع أن نتائج التحقيق لم تنته بعد، ومع أن التحقيق بدأ متأخرا أسبوعين مما قد يعطي فرصة لمرتكبي الجريمة من التخلص من كثير من الأدلة، إلا أن كافة المعطيات تشير إلى أن الجريمة وقعت داخل القنصلية، وأن تفاصيل الأحداث أصبحت شبه متداولة، وأصبحت رأيا عاما، وأن لا قوة في الدنيا تثبت براءة طاقم القنصلية وفريق القتل والتعذيب المكون من 15 فردا وصلوا إسطنبول في اليوم نفسه، وغادروها على عجل متفرقين، إلا إذا ظهر خاشجقي حيا أمام عيون العالم.
وسأرد على تلك التساؤلات التي لا توجد إجابة دقيقة وواضحة عليها، لأن الاتفاقيات الدولية لا تتطرق لارتكاب مثل هذه الجريمة النكراء، لكنها تذكر ضرورة مراعاة من هم مشمولون بالحصانة ضمن قوانين البلد المضيف، وعدم استخدام تلك الحصانة وسيلة لانتهاك القانون مثل التهريب والاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة. وعادة ما يرتكب مثل هذه الجرائم أفراد مشمولون بالحصانة. أما في حالة الخاشقجي فالدولة هي المتهمة وممثلوها في إسطنبول والمتورطون الذي وصلوا البلاد خصيصا للمساهمة في ارتكاب هذه الجريمة، كما تقول الصحافة نقلا عن مصادر تركية موثقة بالصور والأسماء حتى لو كانت مستعارة. إذن نحن أمام جريمة نوعية قد تكون غير مسبوقة، بحيث تقوم الدولة بارتكاب مثل هذه الجريمة ضد مواطن من أبنائها مستغلة حصانة القنصلية والمسؤولين فيها.
منذ بدأت العلاقات الدولية تأخذ شكلها النهائي بعد مؤتمر وستفاليا للسلام عام 1648 والمجتمع الدولي يعمل من خلال الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف لتقنين العلاقات بين الدول. وبعد تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 توسعت عملية تنظيم العلاقات، باعتماد العديد من الآليات لتنظيم علاقات الدول بين بعضها بعضا، مثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية (1963) واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) وغيرها الكثير.
بما أن الجريمة، التي تحت التحقيق ارتكبت في تركيا، تصبح مسؤولية تطبيق العدالة والتحقيق وإعلان نتائجه على عاتق تركيا
وما يعنينا في هذا المجال هو اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، التي دخلت حيز الإنفاذ عام 1967 وتضم في عضويتها 179 دولة. وتنص الاتفاقية على أن مبنى القنصلية تابع لسيادة دولة الإرسال وليس دولة الاستقبال. والحصانة تنطبق كذلك على الموظفين المنتدبين من دولة الإرسال ليمثلوا مصالحها، ويؤدوا الخدمات المنوطة بهم في دولة الاستقبال. وعلى دولة الاستقبال أن تحترمهم وتسهل عملهم، ولا تتدخل في شؤونهم ولا تعرقل قيامهم بمهماتهم. ويلحق بالحصانة أملاك القنصلية من سيارات ومرافق داخل المبنى. وتنص المادة 5 من الاتفاقية على الصلاحيات التي تقوم بها القنصلية والموظفون المنتدبون من بلادهم، وتصل إلى 13 مهمة من بينها، حماية مواطني ومصالح دولة الإرسال في بلد الاستقبال. وتنص المادة 23 على حق دولة الاستقبال في أن تطلب في أي وقت رحيل شخص ما باعتباره “شخصا غير مرغوب فيه” ويلزم دولة الإرسال بإعادته إلى بلده. أما المادة 31 فتنص على حماية مبنى القنصلية من الانتهاك وحظر دولة الاستقبال الدخول عنوة في المبنى وضرورة حمايته من أي تدخل أو ضرر. كما تشير المادة 40 إلى ضرورة احترام دولة الاستقبال لطاقم القنصلية المبتعثين من بلادهم، والعمل على حمايتهم وعدم تعريضهم لأي هجوم أو التعرض لحريتهم أو كرامتهم.
وتنص المادة 41- بند “1” على ما يلي: “لا يمكن إخضاع الموظفين القنصليين للاعتقال أو الاحتجاز الاحتياطي بانتظار المحاكمة، إلا في حالة الجرم الخطير وعلى أثر قرار من السلطة القضائية المختصة”. وقضية تعريف الجرم الخطير موضوع خلاف، لكن لا شك أن حجز صحافي ضد إرادته وتعذيبه وقتله في مقر القنصلية يعتبر جرما خطيرا، إذ تصبح المسؤولية جماعية وتقع على عاتق الدولة. بينما لو قام موظف في القنصلية مثلا وتعرض للصحافي خارج القنصلية وحاول قتله أو قتله فعلا، فقد لا تصنف الجريمة على أنها “جرم خطير” ويمكن حصر المسؤولية في الشخص الفاعل فقط.
تركيا من جهتها لم توجه تهمة رسمية للسعودية، وعملت بذكاء على استثمار الحادثة لصالحها على مسارين: التلويح للسعودية بأنها تملك الدليل القاطع، وبالتالي لا مناص لها من تحمل المسؤولية، والأفضل أن تتعاون في تشكيل لجنة مشتركة بين البلدين للتحقيق المهني والشفاف. وقد تميز الموقف التركي في البداية بالتراخي وإمهال السعودية نحو أسبوعين كاملين قبل أن تدخل مبنى القنصلية وبيت القنصل نفسه. وقد يكون لهذا التباطؤ ثمن عال قد لا نعرفه أبدا. أما المسار الثاني الذي اتبعته تركيا فهو تحسين علاقاتها المتردية مع الولايات المتحدة، حيث استغلت الضجة العالمية حول اختفاء خاشقجي وأطلقت سراح الراهب أندرو برونسون يوم 12 أكتوبر، كما عرضت بعض أدلتها القاطعة (فيديو وتسجيل صوتي لعملية التحقيق والتعذيب والقتل وتقطيع الجسد) لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية لتورط السعودية في هذه الجريمة الخطيرة. وعندما حاولت الولايات المتحدة أن تطلق مقولة “المجرم المارق” لتبعد التهمة عن النظام وتلبسه لشخص فرد، أطلقت تركيا مزيدا من المعلومات عن الجريمة كي تسد الطريق على أي محاولة للتهرب من إدانة الدولة، إلا إذا كان هناك ثمن وربما يكون باهظا. ولذلك تحاول تركيا أن تطلق مزيدا من المعلومات ببطء شديد، كي تبقي القضية حية وموضوع اهتمام العالم ولتسد كل أبواب الهرب أمام السعودية، ولكن بدون أن تتهمها بشكل صريح وواضح كي تبقي مسافة للمناورة وفرصة للمساومة ومساحة للتحقيق، إلى أن تصل نقطة تعترف فيها السعودية بصراحة بارتكاب الجريمة داخل القنصلية، ولكن بعد ترتيبات معقدة وإخراج متقن واتفاقيات سرية لتبرئ الدولة وتوجه التهمة لشخص أو أشخاص. وقد يكون هذا الأمر غير مقبول في مثل هذه الحالة بسبب مكان الجريمة، ومقبولا تماما في حالة اغتيال شخص ما خارج المبنى المتمتع بالحصانة، مثل عملية اغتيال رفيق الحريري في بيروت. وكذلك إلصاق تهمة إسقاط طائرة بان آم رحلة 103 فوق بلدة لوكربي عام 1988 في شخصين ليبيين يعملان في جهاز المخابرات، هما الأمين خليفة فحيمة وعبد الباسط المقراحي لتبرئة نظام العقيد القذافي.
السعودية بعد موجة التعنت والمكابرة عادت ونزلت عن ظهر الحصان، وقبلت بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة مع تركيا، وبدأت اللجنة عملها ابتداء من يوم الاثنين 15 من الشهر الحالي، أي بعد أسبوعين من الحادث والعالم ينتظر نتيجة التحقيق، رغم أن الغالبية الساحقة من العالم أصدر حكما سلفا بإدانة وتورط الدولة السعودية عن الجريمة.
بما أن الجريمة التي تحت التحقيق ارتكبت في تركيا، تصبح مسؤولية تطبيق العدالة والتحقيق وإعلان نتائج التحقيق على الملأ على عاتق تركيا، وتصبح أمام تركيا مجموعة خيارات لفرض عقوبات على السعودية.
ـ قد تطلب تركيا من السعودية رفع الحصانة عن كافة المتورطين في الجريمة واعتقالهم ومحاكمتهم علنا في محاكم تركيا بتهمة الجرم الخطير، وهو القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتعذيب. وهو رأي ميشيل باشيليه، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، التي دعت في بيانها إلى رفع الحصانة عن المسؤولين الذين شاركوا في اختفاء خاشقجي وقالت “إنه نظرا لخطورة القضية فإن الحصانة الممنوحة للدبلوماسيين يجب التنازل عنها على الفور”.
– من حق تركيا أن تعلن الأشخاص المتورطين “أشخاصا غير مرغوب فيهم” ويتم ترحيلهم من البلاد فورا وتسليمهم إلى بلادهم لمحاكمتهم هناك. وهذا الإجراء هو المتداول بشكل كبير ضد الأفراد الذين يضبطون في حالة انتهاك للقوانين المحلية مثل، التجسس أو القتل غير العمد أو التورط في صفقة تهريب تحت غطاء الحصانة. ولو اختارت تركيا هذا الإجراء المخفف، فاعلم أن هناك صفقة تمت من وراء ستار لضخ المال لإسناد الليرة التركية المتعثرة.
– من حق تركيا أن تغلق القنصلية على أرضية انتهاك الحصانة الدبلوماسية التي منحتها الاتفاقيات الدولية للدبلوماسيين السعوديين وارتكبوا جريمة نكراء بهذا الحجم.
– وفي أقصى الخطوات، وفي حالة لم تتعاون السعودية مع تركيا في التحقيق، من حق تركيا أن تقطع العلاقات الدبلوماسية مع السعودية، وأن تنشر كل ما لديها من نتائج تحقيقات وتطالب المجتمع الدولي بالتضامن معها، واتخاذ خطوات عقابية ضد السعودية كتخفيف مستوى التمثيل ومقاطعة الأنشطة السعودية، ووضع أسماء كافة المتورطين في الجريمة على قائمة الإنتربول للملاحقة والاعتقال والمحاكمة.
ويحضرني هنا حجم النفاق الغربي في مسألة “محاولة” قتل العميل الروسي السابق سيرجي إسكريبال وابنته يوليا في سالزبيري في بريطانيا يوم 4 مارس/آذار 2018 وقبل أن يتم التأكد أن المخابرات الروسية فعلتها (ولم يثبت ذلك فعلا) قامت نحو 20 دولة من الدول الغربية بطرد دبلوماسيين روس، وعقد مجلس الأمن جلستين طارئتين واعتبرت بريطانيا أن تلك المحاولة “عملا عدوانيا يرقى إلى إعلان حالة حرب”، بينما اكتفت هذه الدول في حالة خاشقجي بالتمتمة والتعبير عن القلق وانتظار نتائج التحقيق وضرورة احترام حرية التعبير.
وحسب رأي خبير القانون الدولي، غالب دلاي، الأستاذ الزائر في جامعة أوكسفورد: “إذا أفلت النظام السعودي من مسؤولية مقتل جمال خاشقجي، فإن ذلك سيشكل سابقة جديدة للأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، وكنتيجة لهذه الممارسة الاستبدادية لن يكون المثقفون والصحافيون والمعارضون السياسيون آمنين في أي مكان في العالم”.
** محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.