عاجل

ثقافة إدارية- إعادة الهندسة الإدارية

 عبد العزيز طاحون 6 يونيو، 2018

كم تعبنا من الإجراءات، وكم أنهكتنا مشاكل الروتين، وكم ضاعت على المؤسسات فرص نتيجة سلسلة الإجراءات المعقدة، وكم خسرنا بسبب انتظار توقيع الرئيس في العمل على المعاملات.. وكم وكم وكم. إنها المشكلة التي نعانيها في المؤسسات الكبرى والحكومية منها على وجه الخصوص؛ فكثيرة هي الأخطاء والكوارث التي تُرتكب باسم النظام، وكم من الأموال ضاعت تحت مبرر الإجراءات والانضباط!

حتى مصطلح “الحوكمة” الذي كان يمثل الحلم الجميل في وضع حدود للتسيب والتجاوز تم سحبه بقصد أو بدون قصد إلى خزائن الروتين والنظام، وتم تجميده في إطار من التنظير والكلام حول الانضباط والإجراءات، وأصبح مدخلا جديدا نحو مزيد من التكلس وعدم الإنجاز.

ماذا نفعل أمام هذا الخطر الذي بات يتهدد المؤسسات، بل ويسعى لهدمها من الداخل؟ وكيف سنعالج هذه المعضلة التي أفرزت نمطاً من البشر لا يعتبر الإنجاز ولا يسعى إليه قدر اهتمامه بالإجراء وصحتها؟

دعونا نمتلك الشجاعة الكافية لنطرح هذا السؤال التأسيسي وهو هل الإجراء وسيلة أم هدف؟

والإجابة التي يجب أن ندركها جميعاً أن “الإجراء مجرد وسيلة وليس هدفا بحد ذاته، وحينما تتغول الوسيلة على الهدف تصبح الإجراءات بمثابة الدبة التي تقتل صاحبها بحسن نية ودون قصد منها تحت مظنة أنها تريد إنقاذه.”

في المؤسسات الرشيقة يجب ألا نتوقف كثيرا أمام الإجراءات قدر تركيزنا على تحقيق الهدف والإجراء الذي يحقق الأهداف بالتكلفة المناسبة وبأقصر الطرق وأسرعها وبالجودة المطلوبة هو المسار الأصح على الإطلاق في حياة المؤسسة.

إعادة هندسة العمليات الإدارية (الهندرة)

أثناء الحرب الأمريكية الإسبانية أطلقت البحرية الأمريكية 9500 قذيفة ولم تتجاوز نسبة التصويب الصحيحة أكثر من 1.5% إنها -لا شك – عملية فاشلة بكل المقاييس، ولكنه الروتين الذي جعل الجميع يقبل بهذه النتائج الهزيلة. إلا أن ضابطا بالبحرية الأمريكية كان يتابع ويراقب أسلوب التصويب وبدأ يراجعالحسابات وتنبه إلى إمكانية تعديل أسلوب التصويب ببعض الخطوات البسيطة غير المكلفة حتى تمكن من تحقيق المعجزة والوصول لدقة تصويب 100% .

وبادر ورفع اكتشافه إلى رؤسائه الذين قاموا بدورهم على أكمل وجه؛ حيث قاوموا الفكرة وحاولوا وأدها وإفشالها لمجرد عدم قدرتهم على مواجهة أنفسهم والاعتراف بفشلهم مما قد يعني إزاحتهم من مناصبهم وحجب المخصصات المالية الضخمة عنهم! فما كان من هذا الضابط إلا أن أرسل رسالته الأخيرة إلى تيودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة والذي أمر بتطبيق الفكرة وترقية الضابط لرتبة قائد أركان حرب الكلية البحرية الأمريكية في عام 1902 م.

إنها ببساطة الثورة على الإجراءات والتقاليد الموروثة بلا أي سند أو مرجعية مهنية أو حرفية. نحن بالفعل نحتاج إلى رفع شعار جديد في إدارة العمليات وهو شعار (انسف إجراءك القديم) فالعالم يتغير والآليات تتطور وما لم يكن ممكنا بالأمس أصبح في متناول أيدينا بكل بساطة عند أطراف اصابعنا، فقط تحتاج إلى فكر مبدع وقيادة جريئة.

وتهتم الهندرة في الأساس بتطوير العمليات الاستراتيجية وكذلك البنى الأساسية في العمليات الإدارية. فبينما كان المطورون الإداريون يهتمون بتبسيط الإجراءات وتطوير أساليب العمل كان أصحاب الهندرة يسألون عن أهمية وجود الإجراء من الأساس، وهل هذا ما نحتاجه لتحقيق الهدف أم لا.

تطورت عملية إعادة هندسة العمليات الإدارية، وأصبحنا نجد ملايين الأفكار التي تنطلق بإدارة العمليات نحو آفاق جديدة لم نعتدها من قبل، وكلها تنطلق من نفس التساؤل: “ما هي الحاجة لوجود الإجراء بالشكل الذي اعتدنا عليه وأي الطرق سيحقق لنا الأهداف؟” فما الداعي أن نقف طوابير طويلة أمام مكتب الطيران بالمطار لحجز المقعد ومعرفة رقم بوابة الإقلاع بينما نستطيع إجراء ذلك بكل بساطة من خلال الإنترنت؟ وما الداعي للانتظار ساعات في أحد البنوك لإجراء تحويل بنكي بينما نستطيع عمل ذلك من خلال تطبيق بسيط موجود على الهاتف المحمول؟ وما الداعي لإجراء المقابلات المطولة في العمل وقطع مسافات كبيرة والسفر بين الأقطار بينما نستطيع إجراء مقابلاتنا من خلال برامج التواصل المرئي بالإنترنت؟ ولماذا الإرهاق في الذهاب للمحلات التجارية والانتقال بالسيارة وتحمل سخافات المرور والزحام بينما أستطيع التسوق من خلال الإنترنت وطلب ما أريد من مواقع المحلات وبكل دقة سواء في تحديد المقاسات للملابس والألوان مع عمل محاكاة للمشتريات ويقوم المحل بتوريد البضاعة التي يتم طلبها وبالضمانات الموثقة؟

العميل في بؤرة الاهتمام

إن الإجراءات وإدارة العمليات التي لا تراعي احتياجات العميل هي أدوات للفشل أكثر منها أدوات للنجاح فاحتياجات العميل هي النقطة المركزية التي تنشأ حولها كل أعمال المؤسسة وبناء عليها تختار المؤسسة أدوات عملها بما يساعد في النهاية للوصول إلى رضا العملاء.

ورضا العميل هو مسار النجاح الناجع والأكيد لأي مؤسسة. ومع توسع مفهوم العميل وشموليته وفق مبادئ إدارة الجودة الشاملة – حيث أصبح مصطلح العميل مصطلحا شاملا يضم تحته كل من له علاقة بالمؤسسة ويؤثر أو يتأثر بها- باتت نظرة المؤسسات للعميل نظرة أكثر شمولية؛ فالموظف عميل والمورد عميل والمجتمع عميل والحكومة عميل. وبناءً على ذلك انطلق علماء الجودة في تقديم رضا العميل كمؤشر هام وحاسم لجودة الأداء للمؤسسات.

وحينما وضع البروفيسور الياباني (كانو) نموذج إبهاج العميل عام 1984 فإنه رسم صورة أكثر وضوحا حول ما ينتظره العميل من المؤسسة مما يدفعها للتحرك باستمرار نحو منطقة رضا العميل انتقالا – فيما بعد- لإحداث عملية الانتماء والولاء لدى العميل. وقد صاغ ذلك فيما يُعرف بنموذج (كانو) ويوضحه الشكل المرفق.

ولا شك أن أسلوب إدارة العمليات وتحديد الإجراءات في المؤسسات هو من أهم عوامل رضا العميل وخصوصا إذا أخذنا بالاعتبار مفهوم العميل وفق منهج إدارة الجودة الشاملة.

المؤسسات الرشيقة لا تعرف الإجراءات المعوقة ولا تقف أمام التعقيدات الإجرائية، بل تتجاوز كل هذه الصعوبات نحو الأفق الأرحب والأوسع في تلبية احتياجات العميل؛ وصولا للهدف المنشود للمؤسسة وللعميل معا في مشهد توافقي يربح فيه الجميع (Win & Win Situation )

أسلوب (بيرت) في ادارة العمليات

في عام 1958 كانت البحرية الأمريكية تعمل على تصميم نظام صواريخ جديد تطلقه غواصاتها لمواجهة الاتحاد السوفيتي مع بدايات مرحلة الحرب الباردة، وكانت المدة المقدرة لإنهاء المشروع هي خمس سنوات، ولكن استطاع القائمون على المشروع بالتعاون مع بعض الشركات تقليص زمن المشروع إلى ثلاث سنوات فقط، وكان ذلك من خلال استخدام أسلوب (بيرت) في شبكات الأعمال وكان المشروع يحتوى على 23 شبكة (بيرت) وعدد 3000 نشاط، وبعد هذا المشروع تم اعتماد أسلوب (بيرت) في ترتيب الإنجاز وتحديد الأوقات المحتملة لإنجاز كل نشاط، مع الأخذ بالاعتبار الاحتمال المتفائل والاحتمال المتشائم والاحتمال الأكثر واقعية، وعمل التوازن المطلوب بين أولويات التنفيذ وتراتبية الأنشطة مع بعضها، وتحديد الأنشطة ذاتية الاعتماد والأنشطة المترتبة على أنشطة أخرى، ومن ثم تقليص زمن الإنجاز لأقل زمن ممكن مع الحفاظ على الجودة والتكلفة وفق مثلث الأداء المعتمد في التنفيذ.

فى المؤسسات الرشيقة يجب معرفة الأولويات وترتيب الأنشطة وإدراك أهمية الزمن، إنها ببساطة عملية التنفيذ الذكي الذي يوفر الوقت والجهد وبالتالي يوفر الكثير من الأموال ويحقق في النهاية الهدف المنشود.

ولعل من أكثر الأمثلة وضوحا على استخدام شبكة (بيرت) في تنفيذ العمليات هي قدرة “إسرائيل” على ضرب المطارات العربية في حرب عام 1967 خلال ست ساعات فقط بعدما كان الزمن المخطط لهذه العملية هو ستة أيام. نحن بالفعل أمام تنفيذ ذكي للعمليات نحتاج مراجعته من حين لآخر حتى نحقق الرشاقة المرجوة والإنجاز السريع.

التكامل في إدارة العمليات

لقد مضى زمان الجزر المنعزلة وأصبحت إدارة العمليات في المؤسسات إدارة تكاملية يدعم كل جزء فيها الآخر ويعي تماما أثر ما يقوم به على باقي وحدات المؤسسة، ولم يعد رجل التسويق بعيدا عما يؤديه موظف المالية، بل إن استقبال العميل وابتسامة رجل الأمن القابع على أبواب المؤسسة تؤثر بشكل مباشر على عمل الرئيس التنفيذي بالمؤسسة.

نعم، إن هذا التكامل بات من لوازم إدارة العمليات الجيدة والرشيقة وعلى الجميع أن يدرك مدى تأثيره على باقي الوحدات والإدارات الأخرى.

ولعل من أهم أدوات تحسين إدارة العمليات من خلال دعم فكرة التكامل بين الإدارات هي برامج التخطيط الشامل لموارد المؤسسات (ERP Programs ) وهي نوعية من برامج الحاسب التي تتميز بالشمولية والتنسيق والربط بين أعمال الإدارات والأقسام المختلفة داخل المؤسسة، وتعمل على ضبط علاقة الأنشطة ببعضها في الإدارات. وحين يقوم مسؤول المخازن مثلا بإجراء أيّة معاملة فإنها على الفور تحدث أثراً عند مراقبة المخزون والادارة المالية وإدارة المشتريات وهكذا.

فاعتماد الإدارات على هذه النوعية من البرمجيات يجعل إدارة العمليات تسير بشكل منتظم يتجاوز القيود التي تخفي وراءها التقصير في بعض الإدارات بل وينبه القائمين على إمداد الإدارة العليا بالتقارير الدورية إلى مَواطن الخلل وأسلوب العلاج في بعض الأحيان.

خاتمة

وختاماً يمكننا تلخيص أهم ما ورد فيما سبق في النقاط التالية:

• الإجراء وسيلة وليس هدفا.

• إعادة هندسة العمليات أحد أهم المنهجيات لتطوير الأداء.

• صوت العميل يجب ألا يغيب عن إدارة العمليات بحال من الأحوال

• شبكة (بيرت) أحد الأدوات المهمة في تنظيم العمل والتنسيق بين الأنشطة.

• بعض البرمجيات مهمة لتحقيق التكامل بين الإدارات المختلفة في المؤسسة(*).

1

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: