تكلفة الحرب النفسية .. هل الحوار بين واشنطن وطهران مستحيل؟

7

ادريس هاني

 

لم يعد أمام ترامب سوى أن يخوض حربا نفسيا من خلال بومبيو الذي يتحدّث عن الرّدع على خلفية عمل كلّف الولايات المتحدة الأمريكية ردّا صاروخيا دكّ أكبر قواعدها في الشرق الأوسط، وهو ما فجّر جدلا واسعا داخل البيت الأمريكي، هذا بينما الإجراءات جارية لتقليص صلاحيات الرئيس كبداية لعزله. كيف سيكون الوضع حينما يقف ترامب أمام المحكمة أو يواجه العزل؟ بالتأكيد سيعتبر ذلك انتصارا لطهران التي أكملت دورة الجنون عند ترامب. ففي هذه الحرب النفسية سوف نواجه ارتدادات الموقف، فالحدث لا زالت له مفاعيله وطهران لم تزعم أن ضرب عين الأسد هو نهاية الإنتقام بل سمته صفعة في انتظار إخراج الأمريكي من الشرق الأوسط.

لم ينته مفعول الضربة لأنّ لها تداعيات ستنكشف بطريقة تدريجية وسنكون أمام إحراجات سيواجهها فريق ترامب من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، تساؤلات عن عدد قتلى القصف الصاروخي الذين بدؤوا يظهرون من مناطق نزاع أخرى كضحايا مقاتل غامضة، تساؤلات أخرى حول مخرجات التحقيق التقني وما أحاط بسقوط الطائرة الأوكرانية؟ ثمة أشياء ستجعل إقدام ترامب على هذه المغامرة مكلفا، وفي نهاية المطاف نجد أنّ الكونغرس لم يعد ينتظر موسم الانتخابات القادمة بل هو في وضع استعجالي ومحاولة جادّة للعزل.

تساؤلات أخرى سابقة لأوانها: هل الدولة العميقة تلعب على حبلي الطيب والشّرير؟ نعود إلى مقاربتنا الأولى، لكي نبكي على زمن أوباما لا بدّ أن نسلّط ترامب، ولكي نأخذ الأمور بجدية، تدرك واشنطن أنّ جدار الثقة كان ولا زال منهارا بين البلدين، وفي محطّات كثيرة منذ الثمانينيا حاولت واشنطن كسر هذا الحاجز للوصول إلى اتفاق مع طهران، وفي كل مرة كان الفشل حليف كلّ هذه المبادرات، ستعتمد واشنطن سياسة تدبير مزرعة العبيد لإقناع طهران بالرضوخ، سيسقط ترامب وسيأتي الرئيس “الطّيب”، وكل ذلك لأنّ واشنطن تريد إيران محورا في المنطقة وتمتعها هي بالصلاحيات الضرورية وتكبيلها بشروط التبعية وهنا نقطة الخلاف القصوى.

ولأنّ المحاور الصغرى في منطقة الخليج الفارسي أدركت ما تريده واشنطن فهي تسارع للتطبيع الكامل وتعلن عن استعدادها لكسر التابو فقط  لتكون مقنعة أكثر كمحور يمكن المراهنة عليه، الشيء الذي باتت واشنطن واعية به بعد أن ظهرت هشاشة المحاور. فواشنطن تبحث عمن يحمي مصالحها في المنطقة ومن يكون عونا لإسرائيل وليس من يطلب حماية واشنطن وحماية إسرائيل، وهذا ما يفسر خطاب ترامب القاضي بدفع ثمن الحماية، الخطاب الذي بلغ حدّ الإهانة لتلك المحاور.

أساليب واشنطن في الحرب على طهران تقليدية وفاشلة، كما أنّ محاورها في الخليج ضعفاء وبلغوا الباب المسدود في السياسات وتدبير الأزمة هم على موعد مع كساد اقتصادي مدمّر، وهي ، أي واشنطن، لا زالت أسيرة لموقف وحسابات خاطئة وخالية من الإبداع، لأنّها فشلت في إقناع طهران بجدّيتها في الحوار، فعلاقة طهران مع العالم مختلفة تماما، مع أوربا والصين وروسيا واليابان وسائر بلاد العالم، ما الذي يجعل الحوار بين واشنطن وطهران يقف على أرضية انسداد كبير؟

يبدو أنّ طهران تشعر بأنّ الحوار مع واشنطن غير مضمون نتيجة سلوك الولايات المتحدة الأمريكية المتكرر في بلدان العالم، فهي تسعى لتحويل البلدان إلى أوكار للتجسس والتآمر والتّدخّل والإنقلابات، شيء لازال يحمله الإيرانيون كعقدة منذ زمن العلاقة مع الشاه وجملة ما وقع في أيديهم غداة الثورة، كذلك هم يعتبرون أنّ السيادة لا يمكن أن تتعزز مع وجود هذه العلاقة، هم طبعا يؤمنون بتطور مفهوم السيادة لكنهم أيضا يميزون بين الشراكة والتبعية، مشكلة طهران أنّها دولة في طور النهوض ومشكلة واشنطن أنها دولة ذات نزعة أمبراطورية تواجه تحدّي التحوّل العالمي الذي سيسفر عن أقطاب جدد. في ظل هذا السباق هل يكفي هذا القدر من الإقناع بالحوار؟

لكن يبقى هناك سؤال: إلى متى؟

والواقع أنّ إيران غير مستعجلة، وهي ترى نفسها أفضل إذا بنت مشروع نهضتها العلمية دون الركون إلى استحقاقات العلاقة الاستعجالية مع واشنطن، لكن هذه الأخيرة لن تترك طهران، وهي تريد جلبها إلى بيت الطاعة الأمريكي، بينما طهران أيضا لها تقاليد عريقة في بيت القوة (روز خانة)، هنا يأخذ مفهوم التنمية معنى الكرامة والسيادة ككل بلد لا يريد أن يتنكّر لمبادئ ثورته.

الحرب بين واشنطن وطهران لا تعيدنا إلى حرب فارس والروم في منطقة الخليج الفارسي بل هي تعيدنا إلى حروب حديثة تدور حول العلاقة المتوترة بين المصالح من جهة وبين السّيادة والعدالة من جهة أخرى، وهنا يبدو الصراع جدّيا ولا يمكن أن نقاربه بأساليب ومفاهيم مرض العلاقات الدّولية..

ادريس هاني

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.