بين الصفقة والوهم…

4

بقبول ورضا من بعض الانظمة العربية التي انتقلت او طُلب منها الانتقال من التطبيع الى التطبيل، خرجت صفقة بين ترامب ونتنياهو للقضاء على ما تبقى من قضية فلسطينية. وخروج الصفقة في هذا التوقيت دليل واضح يكشف وصول الخضوع من هذه الانظمة الى اشدّه.

ذلك ان التطبيع لم يعد مخجلا لهم واصبح معلنا والهرولة من عدد من الانظمة نحو تبادل الزيارات مع العدو علنا في الفترة السابقة اكدت على ان ما خفي اعظم، والخطط المعلنة في المؤتمر الثنائي الصهيو- اميركي تريد الاستناد بل تتوهم الاستناد الى هذا الخضوع الاقصى، ليفيد في الترويج عربيا واسلاميا لها.

لم تخجل العديد من الدول العربية وخاصة الخليجية من الترحيب ب”خطط السلام الاميركية” في اشارة واضحة الى هذه الصفقة واتى العديد من المواقف المرحبة من هنا وهناك والتي نسيت او تناست انها التزمت “المبادرة العربية” للسلام رغم انها مبادرة ليست اقصى آمال الفلسطينيين.

حضر سفراء الإمارات والبحرين وعمان “ليباركوا” هذه الصفقة وجاء الترحيب السعودي والقطري ومن دول اخرى ولو مواربة. وقالت السعودية إنها “تقدّر الجهود” التي تقوم بها إدارة ترامب “لتطوير خطة شاملة للسلام” بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي،  داعية إلى مفاوضات مباشرة للسلام بينهما برعاية أمريكية… وحتى ان الاميركي لم يعر اهتماما لرفض اجتماع وزراء الخارجية العرب لهذه الخطة وخرج ليذكّر ان العديد من الدول العربية موافقة.

18 عاما مرت على المبادرة العربية و18 عاما مرت على التجاهل الصهيوني لها و18 عاما على سياسة قضم الحقوق والاراضي ومحاولات القضاء على البشر والحجر، الى ان خرج ترامب فأثنى على نتنياهو اثناء اعلان الصفقة، والسبب انه وافق على “التخلي” عن “ارخبيل” من الاراضي للفلسطينيين في دويلة منزوعة القوة والسيادة تستسلم للاحتلال واجراءاته وتتنازل له رسميا عن معظم فلسطين التاريخية وتغريهم ببعض الاموال بالمقابل.. ولكن ما فعله نتنياهو هو انه يعطي نظريا هذا الارخبيل لانه ليس قادرا بطبيعة الحال على شطب الشعب الفلسطيني منه وهو فعل كل جهده مع اسلافه في سياسة القضم الاستيطاني والتنكيل التي قابلها شعب ثابت ومقاوم.

وليست “صفقة القرن” هي التي نسفت المبادرة العربية ، بل سبقها الى ذلك عقدان من الخضوع العربي الذي بارك ضمناً عقدين من الارهاب الصهيوني، وليس فحسب انه لم يمد يد العون للفلسطينيين بدعم حقيقي، الى ان بلغ التطبيع مستوى الوقاحة فخرج الى العلن وتوج بهذه الخطط .

الترويج لهذه الخطة الهجينة الوحشية على انه “صفقة” اي بتعريف الكلمة تقديم لامر مقابل الحصول على امر بالمقابل، على زعم ان الفلسطينيين طرف مستفيد منها، هو تضليل عبثي لا يمر على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية التي لا تزال حية بقضاياها وضمائرها، بل هي صفقة بين نتنياهو وترامب وبعض العرب، الذين سيروجون وسيحاولون بل حاولوا ان يطبلوا للخطط المستقبلية، ودورهم بالترغيب بالاموال ليس خافيا ومعه تسويق الاوهام الاقتصادية..

الكيان الصهيوني وبعد افتعال الازمات والحروب الداخلية العربية وتوظيف وحش الارهاب الذي لم يواجهه الا محور المقاومة والمخلصون لشعوبهم من بعض الدول، اعتبر انه بات في موقف قوي بعد اضعاف الدول العربية لكي يخرج بصفقة مستفزة وقحة تحاول القضاء على القضية الفلسطينية قضاء مبرماً بل ليسعى الى التوجه نحو طلب تعويضات بمليارات الدولارات من عدد من الدول العربية عن املاك اليهود الذين غادروا هذه الدول تاريخيا.

لكن خريطة “دولة فلسطين” المستقبلية التي رسمها ترامب والصهاينة سوية لن يكتب لها النجاح، ويسجّل هنا موقف ما يسمى البرلمان العربي الذي يعكس حقيقة موقف الشعوب العربية والمسلمة والتي خرج العديد منها مؤكدة ايضا على موقفها غير المستسلم، بموازاة التصعيد الفلسطيني في الضفة وغزة بوجه الاحتلال، كما ان مقاومة القوى والشعوب من اليمن الى سوريا والعراق وايران ولبنان والبحرين وباقي الشعوب الحية لمؤامرات اضعافها وانتصاراتها المحققة تنمي فرص افشال هذه الصفقة وغيرها من الخطط.

والتوهم ان مستوى الخنوع القياسي من انظمة خانعة اصلا سيفتح الفرص امام هذه الصفقة يتناسى ان هناك محورا قويا منتصرا يستطيع ان يقف امام مختلف المؤامرات، بل ان استمرار النبض الفلسطيني حاضرا ومتصاعدا وابتكار المواجهة هو ما سيسقطها وقوة المقاومة هي التي ستتجاوزها نحو مستقبل مضيء يقضي على آثار عشرات السنوات من الظلم والخنوع، والتوهم الذي تستند عليه الصفقة هو أشبه بحفرة حفرتها لها، وبيد الفلسطينيين والمقاومين ان يحولوا صفقة القرن الى فرصة القرن للقضاء على كل أشكال الاستكبار الصهيوني.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.