بالوثائق.. لهذه الأسباب طلب القاضي ابراهيم استيضاح شقير والجراح في ملف “أوجيرو”

7

فاطمة سلامة

لم يُخطئ أحدهم حين شبّه وزارة الاتصالات في يوم من الأيام بـ”المغارة”. يكفي أن تُدقّق في التقارير الصادرة عن لجنة الإعلام والاتصالات لتكتشف حجم “الاستخفاف” بالعقول و”الاستهتار” بالمسؤوليات من قبل البعض المؤتمن على الدستور اللبناني. لتكتشف كيف تُنهب أموال المواطنين وتُلفّق الصفقات. وأنت تقرأ تلك التقارير وتغوص في تفاصيلها تُطالعك الكثير من الأسئلة التي تحتاج الى إجابات واضحة. أسئلة تُحاكي فعلاً الواقع المأزوم الذي وصل اليه قطاع الاتصالات الأغلى في العالم والأقل جودة. والمفارقة تكمن في محاولة إنكار كل تلك الوقائع والتلطّي تحت عباءة “الاستهداف السياسي”. تلك الحجة الجاهزة دوماً على “الرف”، والتي تُستخدم ليس لمنع المساءلة فقط، بل حتى لمنع الاستيضاح. تماماً كما حصل مؤخراً، حين رفض وزيري الاتصالات الحالي محمد شقير والسابق جمال الجراح تلبية الحضور الى مكتب المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم بناء على إخبار قُدّم من النائب جهاد الصمد في ملف “أوجيرو” الذي يُشكّل واحداً من الملفات التي شهدت تجاوزات بالجملة. 

الإخبار الذي قدّمه الصمد الى القضاء، كان في جزء كبير منه خُلاصة لتقريرين أنجزتهما لجنة الإعلام والاتصالات النيابية حول ملف “أوجيرو”. الأول في 17 حزيران 2019، والثاني في 23 أيلول 2019. التدقيق في هذين التقريرين يُظهر الكثير من التناقضات والتجاوزات ويثير كماً هائلاً من الأسئلة.

في التقرير الأول (حزيران)، والمؤلّف من 39 صفحة، تتطرّق لجنة الاعلام والاتصالات الى ملف تلزيم شبكات الألياف الضوئية الى الكابينة FTTC من قبل وزارة الإتصالات عبر هيئة “أوجيرو”. التدقيق في صفحات التقرير يُبيّن حجم التجاوزات اللامبررة لمشروع بلغت تكلفته حوالى 450 مليار ليرة على مدى أربع سنوات، وفق ما أعلن وزير الاتصالات آنذاك جمال الجراح، لافتاً في حينها الى أن المشروع سيتيح للمواطن أن يحصل على انترنت بسرعة حد أدنى 50 ميغابيت في الثانية، وما بين 200 الى 300 ميغابيت في الثانية وحتى ألف ميغابيت في الثانية.

ويتبيّن من خلال المستند أدناه  أنه بتاريخ 27 / 3 / 2018 إتخذت هيئة أوجيرو قرارا رقمه 13 / 2018 يقضي بتلزيم ثلاث شركات لإنجاز الأعمال على كافة الأراضي اللبنانية، من ضمنها شركة serta التي يرأسها هشام عيتاني والتي لزّمت أعمالا بقيمة 200 مليون دولار أميركي لا تتضمن tva، وهي أعمال توريد وتركيب تجهيزات active cabinets & FTTC.OLT ومتمماتها ووضعها في الخدمة ومد توصيل شبكة الالياف الضوئية FTTX والـ passive ODN في المناطق التالية: بيروت أ، بيروت ب، جبل لبنان 1، جبل لبنان 2، الجنوب والبقاع ومتمماتها ووضعها في الخدمة. وبالفعل قامت هيئة أوجيرو ممثلة برئيسها المدير العام عماد كريدية بتوقيع العقد رقم 30 / 2017، مع شركة serta ممثلة برئيسها عيتاني، وذلك بتاريخ 13 / 4 / 2018، وقد حدد هذا العقد مدة التنفيذ بثلاث سنوات تبدأ منذ تاريخ توقيع العقد، (13 / 4 / 2018)، أي منذ حوالى السنة والنصف. والملفت أنّ هذا العقد قضى بدفع دفعة أولى لشركة serta قيمتها 25 % من قيمة العقد، قبضتها الشركة (ستون مليون دولار أميركي) من هيئة أوجيرو في حينه”، وذلك قبل القيام بأي خطة عملانية!!، فيما يواجه المشروع وبعد عام ونصف على إعطاء أمر المباشرة فيه، واستلام الدفعة الاولى المقدمة (25 %)، يواجه تأخيرا غير مبررا، حيث ان نسبة العمل المنجزة من حجم الاعمال ضئيلة جداً.

 

وفي هذا السياق، تتوقّف مصادر لجنة الاعلام والاتصالات لدى حديثها عن التجاوزات عند لجنة فض العروض المؤلفة من موظفين في هيئة “أوجيرو” والمديرية العامة للإستثمار والصيانة والمديرية العام للانشاء والتجهيز في وزارة الإتصالات. فتشدّد على أن هذه اللجنة جرى تأليفها خلافا لقانون المحاسبة العمومية، وأصول المناقصات العمومية المحددة في دفاتر الشروط إذ تضم شخصا لا ينتمي لملاك موظفي وزارة الاتصالات ولا لأي ملاك يتبع لأي ادارة رسمية اخرى (جمال فاخوري). وقد لفتت المصادر الى أنه تمت مخالفة كل الاصول المنصوص عليها لتشكيل لجان فض العروض لاسقاط أشخاص كرمى لعيون فلان وعلان. كما أن هيئة أوجيرو وبحسب المصادر قامت بإجراء المناقصة المذكورة بناء على دفتر شروط تقني واداري ومالي أعدته لجنة داخلية خاصة في وزارة الاتصالات شكلها وزير الاتصالات في حينه وأصدر توصية خاصة بضرورة التنسيق مع السيد جمال فاخوري بصفته مهندساً خبيراً، وبعد التدقيق تبيّن أنه مدير عام شركة serta منذ اكثر من 20 عاماً، ليتبيّن أن مدير عام شركة serta هو نفسه من ساعد في إعداد دفاتر الشروط، وهو نفسه من قام بفض العروض في هيئة “اوجيرو ” وتحليل اسعار الشركات المنافسة والاطلاع عليها، وتحديد اسم الشركة الفائزة أيضاً!!.

 

وفي التجاوزات أيضاً، فقد جرت مخالفة المادة الخامسة من دفتر الشروط، والتي تقول: ضمن مغلف المواصفات الفنية، هناك برنامج معلوماتية e-flow بحسب المواصفات الفنية المرفقة ربطا، يقوم العارض بتقديم تقرير مفصل عن البرنامج المقترح للهيئة وتعديله بحسب ما ترتئيه الهيئة. وهنا سؤال “وجيه” تطرحه اللجنة: لماذا تم تجاوز هذه المادة وتم تلزيم e-flow الى خطيب وعلمي، مع العلم أنها من مسؤولية الشركات التي رسا عليها العرض؟!.

وفي جانب آخر، يتوقّف التقرير عند مسارعة وزارة الاتصالات الى الدفع المسبق خلال 24 ساعة من تاريخ إصدار الفاتورة من الشركات، اذ أصدرت SERTA الفاتورة في 1 تشرين الاول 2018، ودفعت الوزارة في 2 تشرين الاول 2018.

وقد سُجّلت ملاحظات على هامش المقدّمة المدرجة في صلب الجدوى الاقتصادية المتعلّقة بالمشروع، والتي تنص على أنه “نظراً للحاجة الى توسعة الشبكة الهاتفية وتقوية سرعة الانترنت ونقل المعلومات في جميع الأماكن والتي ما زالت على الشبكة النحاسية، تخطط وتنوي وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو لتوسعة الشبكة الهاتفية بمختلف أطرافها في جميع المناطق وتجهيزها بغرف التقوية Active Cabinet التي تقصّر المسافة تقنياً بين مكان إقامة المشترك والشبكة وصولاً الى السنترال”. وهنا تسأل اللجنة: هل استنفذت الخدمات من الشبكة النحاسية مع العلم انكم مستمرون في توسعة الشبكة النحاسية مع انفاق مالي بشكل سنوي وانخفاض تدريجي في عدد المشتركين؟ هل هناك نية لالغاء خدمة الانترنت عبر الشبكة النحاسية، مع العلم أنّ توصيل بعض المنازل وcabinet بالكابل النحاسي مدرج ضمن الخطة؟. ثمّة “غموض” حاصل في هذا الجانب يحتاج الى توضيحات.

كما سجّلت الكثير من الملاحظات على هامش التوقعات التسويقية التي تضمنتها الجدوى الاقتصادية، وقد لفتت اللجنة الى أنّ التوقعات التسويقية عادة ما تكون مسندة الى دراسات تسويقية، سائلةً: هل هناك من دراسة تفصيلية أسندت اليها هذه الأرقام والكيفية التي احتسبت بها؟، ما المعايير التي اعتمدت عليها؟، كم نسبة المشتركين في خدمة الانترنت عبر الالياف الضوئية من العدد الإجمالي؟ فبحسب الوارد في التوقعات (28 بالمئة) سنوياً، فيما يجب أن يكون عدد المشتركين بين 523.520 و670.105 مشترك. ما هي الاسباب التي أدت الى هذا الفرق الشاسع بعدم الوصول الى العدد المتوقع للمشتركين؟ تسأل اللجنة.

ومن ضمن الملاحظات التي سُجّلت أيضاً إبرام العقد مع الشركات بالدولار، بينما نصّت المادة الثامنة من دفتر الشروط على أن يتم دفع المبلغ المؤقت للتأمين بالليرة اللبنانية. وفي هذه الجزئية أيضاً حصل لغط إذ حددت الكفالة المصرفية بقيمة 200 مليون ليرة لبنانية وقيمة التأمين بـ15 مليار ليرة لبنانية، ما أدى الى توجيه اللجنة سؤالاً حول الرقم الصحيح؟!.

وفي سياق متصّل، تسأل لجنة الاعلام والاتصالات عن الأسباب الأساسية والمباشرة التي أدّت الى ارتفاع عدد الاشتراكات الملغاة للخطوط الأرضية بنسبة 23.6 بالمئة بين عامي 2017 و2018. وتلك التي أدت الى انخفاض عدد الاشتراكات الجديدة بنسبة 18.9 بالمئة في العامين المذكورين. وفيما يتعلّق بخدمات الانترنت تبيّن للجنة انخفاض عدد الاشتراكات الجديدة بنسبة 33.13 بالمئة بين العام 2017 و2018، وارتفاع عدد الاشتراكات الملغاة بنسبة 29 بالمئة. وهنا تسأل اللجنة: هل أن أرقام عدد الاشتراكات (الجديدة، الملغاة والحالية) لخدمة الانترنت هو لـ”أوجيرو” فقط أم هو الرقم الاجمالي لجميع المشتركين من خلال: أوجيرو، مزودي خدمة الانترنت، مزودي خدمات الداتا؟، كم يبلغ عدد الاشتراكات الاجمالي لخدمة الانترنت عبر ADSL من العام 2014 الى العام 2018 والاشتراكات الجديدة والملغاة في كل سنة عبر: أوجيرو مباشرةً، ISP، مع أسماء الشركات والاعداد في كل شركة، DSP، مع أسماء الشركات والاعداد في كل شركة؟!.

ومن خلال التدقيق في التقرير الثاني للجنة الاعلام والاتصالات الصادر بتاريخ 23 أيلول 2019، يتبيّن لنا أنّ شركة SERTA كان لها حصّة الأسد من التلزيمات في المناطق تبعاً لرسوم بيانية قدّمها التقرير، خلافاً لشركتي BMB/calix وpower tech. كما يبين التقرير الثاني أنّه وتبعاً لخطة “النشر والتقدم” هناك 41 سنترالاً أنجزوا فقط من أصل 285 حتى شهر آب 2019. كما يتوقّف التقرير عند كلام الوزير الجراح في 5 كانون الثاني 2018 والذي قال فيه أن البلد حرم على مدى 3 سنوات ونصف السنة من أن تكون سنترالاته موصولة بعضها ببعض على شبكة “الفايبر اوبتيكس” وأن تكون شركات الخليوي موصولة هي أيضاً عبر السنترالات على هذه الشبكة التي كان من المفترض -وفق التقرير- أن توصل 301 سنترال في لبنان مع بعضها البعض، وقد أنفق مبلغ 62.7 مليون دولار لإنشائها منذ سنوات، لكنها توقفت ولم تستلمها الوزارة تحت حجج واهية. علما أن هذه الشبكة كانت من أهم الأعمال التي كان يفترض أن تنجزها الوزارة للربط بين السنترالات وشبكات شركات الهاتف الخليوي من أجل تقديم خدمة الجيل الرابع أي 4G للمواطنين، ما كبّد الدولة خسائر مالية فادحة. وهنا تسأل اللجنة: هل تم ربط السنترالات بشبكات الهاتف الخليوي؟، كيف يتم تقديم خدمة الجيل الرابع للمواطنين عند الربط؟، هل تم تقييم الخسائر المالية؟، لماذا حصل التأخير؟، ولماذا تم رفض الاستلام من قبل إدارة “أوجيرو” يومها؟.

ما تقدّم من أسئلة وغيرها الكثير بقيت دون إجابة، فيما لم يُكلّف المسؤولون خاطرهم  في الحضور الى القضاء ليستوضح منهم عن حقيقة ما جرى في هذه الوزارة، وكأنّ أموال الشعب اللبناني بلا قيمة. 

 

العهد

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.