صحافة

الوجه المكشوف لسياسة إسرائيل في تدمير الإنسان الفلسطيني

الوجه المكشوف لسياسة إسرائيل في تدمير الإنسان الفلسطيني

في قلب كل منظومة استعمارية تعمل على نزع إنسانية “الآخر”، يُصبح التعذيب ليس مجرد أداة للعقاب أو انتزاع المعلومات، بل منهجًا سياسيًّا كاملًا، يُعاد من خلاله إنتاج السيطرة وبناء هندسة رعب دائمة. وفي الحالة “الإسرائيلية”، خصوصًا بعد طوفان الأقصى، لم يعد التعذيب ممارسة سرية تُنكرها المؤسسة العسكرية خلف الأبواب المغلقة، ولا انحرافًا فرديًّا يمكن عزله عن بنية النظام؛ بل تحوّل إلى سياسة مُعلنة، تُمارس بغطاء حكومي وبرلماني وإعلامي، وتعكس جوهر المشروع الاستعماري نفسه: تدمير الإنسان الفلسطيني من الداخل، واستهداف كيانه النفسي والاجتماعي والوجودي.

الإبادة ليست فقط قتلًا بالجملة. إنّها، تفكيك الإنسان من جذوره، وتدمير قدرته على أن يكون ذاتًا مستقلة، وجزءًا من مجتمع قادر على المقاومة. ومن هنا تتبدّى وحشية حالة التعذيب “الإسرائيلي” في زمن الإبادة، حيث تتحوّل أجساد الفلسطينيين إلى خرائط منقوشة بالعنف، وإلى صفحات تُدوَّن عليها رسائل الاحتلال السياسية.

أولاً: من الاغتصاب إلى التشويه… كيف يصبح الجسد الفلسطيني مسرحًا للسلطة؟

في سياق هذا النهج، تكشفت شهادات صادمة من داخل القطاع والضفة، تفضح المستوى الذي بلغته آلة التعذيب. شهادة أم فلسطينية من غزة، اغتُصبت مرات عدة، وشهادة الأسير “نهاد”، الذي اغتصبه كلب في مرحاض مركز التحقيق، تمثلان ليس حالات فردية بل ممارسات منهجية تشكل جزءًا من “أرشيف الرعب” الذي يبنيه الاحتلال.

هذه الممارسات ليست، كما يدعي الإعلام “الإسرائيلي”، “انتهاكات فردية” أو “سلوكيات شاذة”. إنها سياسة دولة، تهدف إلى ما يسميه عالم الاجتماع أورلاندو باترسون “الموت الاجتماعي”، أي تحويل الإنسان إلى كائن منزوع القيمة، مكسور الروابط، هشّ الهوية، معزول عن مجتمعه. لكن التجربة الفلسطينية تُفسد هذا المشروع في كل مرة؛ إذ لا يتحول التعذيب إلى موت اجتماعي، بل إلى وقود إضافي للمقاومة والغضب والتماسك.

ثانيًا: التعذيب كإستراتيجية إبادة نفسية

في الحروب الاستعمارية، يستهدف الجلّاد الجسد أولاً، لكن هدفه الحقيقي هو تفكيك الزمن الداخلي للضحية. وهذا ما تكشفه الدراسات حول التشويه الجسدي، مثل دراسة ضحايا تعذيب ثورة “بيير موليلي” في الكونغو: تصبح الندبة ليست علامة مادية، بل بُعدًا زمنيًا يقسّم حياة الإنسان إلى “قبل” و”بعد”، وتحوّل كل لحظة قادمة إلى مساحة للتهديد.

في السجون “الإسرائيلية”، تبنى هذه العقيدة بوضوح: كي تُكسر روح الفلسطيني، يجب محو صورته القديمة لنفسه، وتحويل المرآة إلى مصدر رعب، لا اعتراف. الجسد المشوَّه ليس ما يراه الاحتلال؛ بل هو ما يريد الفلسطيني أن يراه في نفسه: ذاتٌ مرتبكة، مُرتجفة، مُهانة.

لكن هنا أيضًا تفشل المنظومة “الإسرائيلية” في تحقيق مبتغاها: فالأسير الفلسطيني، كما يُظهر نهاد، لا يعود إلى المجتمع محمّلاً بالخزي، بل مغمورًا بهالة البطولة والتقديس. لا يتحول إلى “نصف إنسان”، بل إلى حامل لحقيقة التجربة الجماعية، إلى شاهد حيّ على ما يُرتكب خلف الجدران.

ثالثًا: لماذا يفشل مشروع “الموت الاجتماعي” في الحالة الفلسطينية؟

يركز باترسون، وفانون، وحتى هانا أرندت، على أن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة المادية، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي، وطمس الروابط العائلية والثقافية. في سجون الاحتلال، نجد محاولة لإعادة إنتاج هذه الديناميكية: عزل السجناء عن عائلاتهم، حرمانهم من الزيارة، تفكيك روابطهم النفسية، وإغراقهم بالإذلال والاغتصاب والتشويه.

لكن الفلسطيني، على عكس العبيد في نموذج باترسون، لا يعيش حالة اغتراب جذري عن المجتمع. بل إن المجتمع الفلسطيني يعيد احتضان الأسرى بوصفهم عنوانًا للصمود. تتعمق الروابط الاجتماعية، وتتحول هوية الأسير إلى صورة معاكسة تمامًا لغايات الجلاد: بدلًا من الموت الاجتماعي، يولد “الاعتراف الاجتماعي”. بدلًا من الانهيار، تولد البطولة.

وهذا التناقض البنيوي، بين ما تريده إسرائيل وما ينتجه فعلها، هو ما يُفشل المشروع الاستعماري عند جذوره.

رابعًا: من التعذيب إلى الإعدام… حين تنتقل دولة الاحتلال من كسر الإنسان إلى القضاء عليه

حين تدرك سلطة استعمارية أنها عاجزة عن تدمير المجتمع من الداخل، وأن التعذيب لم يحقق الخضوع بل صعّد المقاومة، تتحول إلى مرحلة أكثر علنية ووحشية: الإعدام.

القانون الذي صادق عليه الكنيست، بإقرار تطبيق عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، ليس مجرد نص جنائي. إنه إعلان رسمي بفشل المشروع الصهيوني في “إنتاج الفلسطيني المكسور”. إنه اعتراف بأن الجسد الفلسطيني، رغم الاغتصاب والتشويه والحرمان، لا يموت نفسيًّا ولا اجتماعيًّا. يخرج أكثر صلابة، وأكثر ارتباطًا بقضيته.

ولعل الاحتفال المخزي لوزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بتوزيع الحلوى بعد المصادقة على القانون، يكشف عمق المرض الأخلاقي الذي أصاب البنية السياسية “الإسرائيلية”. فحين يتباهى سياسي بقتل الأسرى، يصبح المجتمع كله شريكًا في الجريمة، وتصبح الإبادة مشروعًا اجتماعيًا لا سياسيًا فقط.

خامسًا: “إسرائيل” ومعسكرات الإبادة… تكرار التاريخ تحت أقنعة جديدة

ما قاله جورجيو أغامبن حول “الإنسان المستباح” ينطبق بشكل صارخ على الحالة الفلسطينية: في معسكرات مثل “سديه تيمان”، يتحول الفلسطيني إلى جسد قابل للقتل في أي لحظة. لا حقوق، لا قانون، لا حماية. إنّها النسخة الأكثر فظاعة من معسكرات الاعتقال الحديثة، حيث تتداخل السلطة العسكرية مع السلطة السياسية والدينية لتنتج ما يمكن وصفه بـ”سيادة الموت”. وهنا يتكرّر السؤال الذي يطرحه الأوربيون منذ عقود: كيف استطاع ضحايا الهولوكوست أن يتحولوا إلى جَلادين؟

وكيف أصبح “الشعب الذي عانى الاضطهاد” يمارس اضطهادًا يفوق، في وحشيته، ما مارسه زبانية النازية؟

الإجابة ليست في “الصدمة التاريخية”، بل في السياسة. فالمشروع الصهيوني، كما يكرر تشومسكي، لا يقوم على أخلاق اليهود، بل على منطق القوة الاستعمارية. القوة، حين تصبح أساسًا “للهوية”، تنتج مجتمعًا بأكمله مُدمنًا على العنف، يُطبع أفراده على رؤية “الآخر” كحيوان، ويحتفي بهم حين يرتكبون الجرائم.

سادسًا: “إسرائيل” وثقافة الإجرام… حين يصبح التعذيب هوية قومية

تحولت الجرائم التي يرتكبها الجنود إلى طقس اجتماعي. حين يدخل الجندي المتهم بالاغتصاب إلى المحكمة، ويستقبله الجمهور كـ”بطل قومي”، ندرك أننا أمام مجتمع يُعيد إنتاج العنف كقيمة. هذا ما يصفه الأنثروبولوجيون بـ”الترسيخ الثقافي”: جيل يتربى في حضن منظومة كاملة من المحفزات القومية والدينية والسياسية، تُعرّف “الوطنية” بأنها القدرة على قتل الفلسطيني وإذلاله.

إن “إسرائيل“، اليوم، ليست دولة تمارس التعذيب. بل مجتمع كامل يعيد تدويره، ويحوّله إلى جزء من الهوية القومية، وإلى شرط للانتماء السياسي.

سابعًا: النهاية المفتوحة… نحو مرحلة ما بعد الصهيونية

في هذا السياق، يحذّر المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية، إيلان بابيه، من أن انهيار المشروع الصهيوني سيكون أسوأ كوابيس هؤلاء “الأبطال المجرمين”. فمرحلة ما بعد الصهيونية، كما يقول، ستفتح الباب لمحاسبة تاريخية غير مسبوقة، وسيكون السؤال: ماذا سيفعل الفلسطينيون بمن أغرقوهم في الدم والتعذيب والإبادة؟

ليس لأن الفلسطينيين سيبحثون عن انتقام، بل لأن كل مشروع استعماري يحمل نهايته في داخله. وعندما تنهار بنية القوة، تظهر الحقيقة، وتُحاسب الأمم على ما فعلته حين كانت تملك السلطة المطلقة.

التعذيب ليس انحرافًا… بل هو البنية

لا يمكن تفسير الجرائم “الإسرائيلية” بمعزل عن البنية. فالنظام الذي يقوم على الإبادة من أجل السيطرة، سيُنتج دائمًا أدوات إبادة.

التعذيب في زمن الإبادة ليس فعلًا غاضبًا، ولا ردًّا على 7 أكتوبر، ولا حادثًا فرديًا. إنه جوهر السياسة “الإسرائيلية”: مشروع ممنهج لتدمير الإنسان الفلسطيني، جسدًا وزمنًا ووعيًا، وتحويله إلى كائن مكسور. لكن ما فشلت “إسرائيل” في إدراكه هو أن الفلسطيني لا يموت اجتماعيًا. بل إن الجرح يصبح ذاكرة، والندبة تتحول إلى شهادة، والألم يتحول إلى هوية مقاومة.

وهكذا، بينما تظن المؤسسة “الإسرائيلية” أنها تنتصر عبر التعذيب والإعدام، فإنها تسجل، دون أن تدري، فصول انهيار مشروعها ذاته.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

admin

موقع Wakala News يقدم أحدث الأخبار العالمية والعربية لحظة بلحظة، بتغطية دقيقة وموثوقة للأحداث السياسية والاقتصادية والتقنية حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى