“المندسّون”… تحت الرصدِ الأمني

13

“ليبانون ديبايت” – ملاك عقيل

قدَّمَ “ويك أند” الغضب الشعبي في وسط بيروت، عيّنة عمَّا يمكن أن ينتظرَ السلطة الحاكمة من جولاتٍ متوقعةٍ من العنفِ وتجاوز الخطوطِ الحمر في حال أكمَل أولياء التأليفِ الحكومي في نهجهم غير المسؤول في تلقّفِ رسائلِ الشارعِ وتجاهلها في غمرةِ البحثِ عن الحكومة الانقاذية.

المصيبةُ الفعليّةُ، أنّ الشارعَ الذي بدأ يعمد الى نماذجٍ مُتقدِّمة في رفضِ أداءِ السلطةِ، حكوميًا وسياسيًا واقتصاديًا، يوحي، بأنّ مصيرَ الحكومة المقبلة قد يكون المحاسبة في الشارعِ، حتى قبل أن تقلِّعَ، وذلك بسبب إصرار أفرقاءِ التأليفِ على العمل بعدَّةِ الشغل نفسها التي طبَعَت تأليف الحكومات السابقة.

في 27 آب الماضي، عقدَ المجلس الاعلى للدفاع جلسته الاخيرة لبحثِ الاعتداءِ الاسرائيلي عبر الطائرَتَيْن المُسيَّرَتَيْن على الضاحية الجنوبية. و”هيي كانت”. هبَّت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، وتوالت الاحتجاجات في الشارعِ والتي لم تخفّ وتيرتها سوى في المرحلةِ الفاصلةِ بين عيدَيّْ الميلاد ورأس السنة.

وقد سجَّلَ مرصدُ “الانتفاضةِ” خلال ثلاثةِ أشهرٍ من “الثورةِ” أعمالَ عنفٍ ومواجهاتٍ وتجاوز قواعد اللعبة المُتعارف عليها في قاموسِ استخدامِ الشارعِ، لكن رفض الرئيس سعد الحريري المُتكرِّر لانعقادِ المجلسِ الأعلى للدفاع تحت عنوان “أنّ الاجهزة الأمنيّة تقوم بواجباتها والمطلوب حلولٌ سياسيّةٌ لا تفعيل تصريف الأعمال”، أبقى التنسيق محصورًا بين هذه الاجهزة الامنية، فيما لم تنقطع الاجتماعات الأسبوعيّة بين رئيس الجمهورية ميشال عون وقائد الجيش جوزاف عون لوضعهِ في صورة الارضِ والاجراءات المُتخَذة، كذلك التواصل مع مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم ومدير عام أمن الدولة اللواء طوني صليبا. كما تفيد المعطيات، بأنّ اجتماعَ عملٍ جَمَع مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان برئيسِ الجمهورية ميشال عون قبل أيّام من “الويك اند” الصاخب في وسطِ بيروت.

خطوطُ التواصل والتنسيق المفتوحة بين الأجهزة، لا تحجب واقع أنّ الإجتماعَ الامني الذي عُقِدَ في بعبدا يوم الاثنين، كتعويضٍ عن المجلس الأعلى للدفاع، قد تأخر كثيرًا. ولاسيّما أنّه الأول من نوعه منذ تفجّر غضب الشارعِ في 17 تشرين!

وتفيد معطيات، بأنّ آخرَ محاولةٍ قام بها الرئيس عون لإقناعِ الحريري بالمشاركةِ في اجتماعٍ يعقده المجلس الاعلى للدفاع كان يوم السبت الماضي مع أخذِ المواجهة في الشارعِ منحى شديد العنف على أن يعقدَ هذا الاجتماع يوم الاثنين، لكن إصرار الحريري على موقفهِ دفع رئيس الجمهورية الى الدعوة للإجتماعِ الامني، مع العلم، أن لا موانع قانونية تحول دون انعقادِ المجلسِ الأعلى للدفاع بغيابِ رئيسِ الحكومة أو رئيسِ حكومة تصريف الاعمال.

فقانون المجلس الاعلى للدفاع، لا يذكر وجوب الحضور أو عدمه. لكن رئيس مجلس الوزراء هو نائبُ رئيس المجلس الأعلى للدفاع ويتولى، بحكم النص، تنفيذ مقرّرات وتوصيات المجلس، وبالتالي، وجوده طبيعيٌّ. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في حال استدعت التطوّرات انعقاد المجلس الأعلى للدفاع ورئيس الحكومة خارج البلاد أو هناك حالة وفاة، هل يعتبر ذلك مانعًا لانعقاده؟

وقد بدا واضحًا، أنّ رئيس الجمهورية كان يستطيع الدعوة الى اجتماعِ المجلس الأعلى للدفاعِ بغياب الحريري لكن الحرص الرئاسي، وفق قريبين من عون، على عدم تأجيجِ الجو السياسي، دفع رئيس الجمهورية الى الاستعاضةِ عن ذلك بالإجتماعِ الأمني طالما أنّ النتيجة والمداولات قد تكون نفسها. فالمهم المضمون والنتائج”.

ويجزم هؤلاء، “أيضًا لا شيء يحول دون أن يجتمعَ المجلس الأعلى في ظلِّ حكومةِ تصريف أعمال طالما هناك عجلة وضرورة، وهما المعياران اللذان يتمّ الاستناد اليهما في تفسير تصريفِ الأعمال بالمعنى الضيّق”.

وتقول مصادرٌ مطلعةٌ على اجتماعِ بعبدا، أنّه “خلال الثلاثة أشهر الماضية لم تتوقف خطوط التواصل أبدًا بين رئيس الجمهورية وقادة الاجهزة الامنية ووزيرَيّْ الدفاع والداخلية، وبالتالي، فإنّ هذا الاجتماع يكتسب أهميّته بكونه علنيٌّ وموسّعٌ”. وقد كان لافتًا، انعقاد الإجتماعِ في ظلِّ إجراءاتٍ أمنيّةٍ وتحصيناتٍ وتعزيزاتٍ شهدتها مداخل مجلس النواب.

وردًا على عدم انعقادِ هذا الإجتماع الأمني على مدى أكثر من ثلاثةِ أشهرٍ، تقول المصادر، “خلال هذه المرحلة، الأمور كانت لا تزال تحت السيطرة تحت عنوان “سلميّة” والأجهزة الأمنية تتوزَّع المهام مع وجودِ قرارٍ واضحٍ بمنعِ إقفال الطرقات. لكن منذ أحداث الشغب في الحمرا وصولًا الى مشهدِ التصادم أمام ثكنة الحلو ثم المواجهات أمام مجلس النواب بدا أنّ البلدَ أمام حالةِ شغبٍ وعنفٍ مُنَظَّم وتخريبٍ للممتلكات العامة لا بد من وضعِ حدٍّ له”.

ويجزم قريبون من رئيسِ الجمهورية، أنّ الأخير “كان يُشدِّد في اجتماعاته كلّها مع الأجهزة الأمنية وطالما التحرّكات سلميّة وترفع مطالب مُحقَّة، بضرورةِ حمايةِ المتظاهرين والحفاظِ على حقهم بالتعبير ومنع الاحتكاك بينهم وبين القوى الامنية أو مع المواطنين الرافضين لقطعِ الطريق، وكان يُردِّد دومًا أنّ قطعَ الطرقات غير مقبولٍ و”الناس لازم توصل على أشغالها”. لكن اليوم، هناك واقعٌ مغايرٌ تمامًا بوجودِ مجموعاتٍ مُندَسَّة، منفصلة عن المتظاهرين السلميين، تبتغي الشغب والتكسير والسرقة وهذا أمرٌ لا يمكن السكوت عنه”.

ووفق المعلومات، ظهرَ خلال الإجتماع الأمني تقاطعٌ واضحٌ بين كافة قادة الأجهزة الأمنية على الاقرار بوجودِ “مُندَسِّين” يحاولون حرف التحرّك الاحتجاجي عن مسارهِ حيث سجّلت تجاوزات وأعمال تخريب واعتداء هي الأعنفُ منذ بدءِ الانتفاضة.

وجزءٌ من هؤلاء بات معروفًا بالإسم والانتماءات مع الجهّةِ “المُشغِّلة” أو “المُحرِّضة”، فيما يتمّ استكمال باقي ملفات المشتَبَه بأمرهم من خلال خيوطٍ وأدلةٍ من ضمنها داتا الاتصالات، مع محاولاتٍ أمنيّةٍ حثيثةٍ ستتكثَّف للقيام بخطواتٍ استباقيةٍ تمنع مجموعات المُخرِّبين من تنفيذِ مخططهم.

وبدت هذه الوقائع التي عُرِضَت على طاولة “المجلس الاعلى” في بعبدا مُنسَجِمةً مع اسلوبِ مواجهةِ المتظاهرين يوم الأحد بإستخدام الرصاصِ المطاطي والانتشار النوعي للجيش بأسلحةٍ متوسطةٍ غير مألوفةٍ للنظر في تظاهراتٍ من هذا النوع.

وقد طُرِحَت في الاجتماعِ، مسألة عدم تدخل الجيش في الحمرا حين حصلَ الهجومُ المُتكرِّر على المصارفِ، وقد كان ردّ قائد الجيش واضحًا، “بأنّ هذه المؤازرة كانت صعبة بسبب انتشار كامل وحداتِ الجيش في مداخل بيروت، فيما تمَّت هذه المؤازرة بالفعل خلال أحداثِ الشغبِ في نهاية الأسبوع وسابقًا أكثر من مرّة خصوصًا في منطقة الرينغ”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

التعليقات مغلقة.