صحافة

الدول الأوروبية تنظر إلى الصين: خيار لاعادة التوازن المفقود!

الدول الأوروبية تنظر إلى الصين: خيار لاعادة التوازن المفقود!

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تجد الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة معقّدة تفرض إعادة التفكير في علاقاتها الاقتصادية تحديداً، خاصة في ظل السياسات التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الحلفاء قبل الخصوم. فالتوترات العابرة للأطلسي، واستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، والتشكيك المتكرر بقواعد التحالفات الغربية، دفعت العواصم الأوروبية إلى البحث عن مساحات مناورة أوسع، لا تهدف إلى فك الارتباط مع الولايات المتحدة، إنما إلى تقليص هامش الابتزاز السياسي والاقتصادي.

ضمن هذا السياق، يبرز الخطاب الأوروبي المتزايد حول التعاون مع الصين كجزء من مقاربة واقعية لإدارة الضغوط الأميركية. خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منتدى دافوس شكّل التعبير الأوضح عن هذا التوجه. فالرئيس الفرنسي لم يطرح العلاقة مع بكين بوصفها تحالفاً بديلاً، بقدر ما هي عنصر ضروري في أي محاولة لمعالجة الاختلالات في الاقتصاد. حديثه عن الحاجة الأوروبية إلى الاستثمارات الصينية المباشرة، بدل الاكتفاء بالتدفقات التجارية، يعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة الخلل القائم من فائض إنتاج واستثمار في الصين، استهلاك مفرط في الولايات المتحدة، وتراجع القدرة التنافسية والاستثمارية في الدول الاوروبية.

هذا الطرح لا ينفصل عن إدراك أوروبي بأن البيئة التي كانت تتيح إدارة الخلافات مع واشنطن ضمن أطر مؤسساتية باتت تتآكل. فسياسات ترامب، سواء عبر التهديد بفرض رسوم جمركية أو عبر مواقف صدامية تمسّ جوهر التحالفات، كما في ملف الناتو أو الطروحات المتعلقة بضم غرينلاند، خلقت حالة عدم يقين دفعت الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم درجة اعتمادها الاستراتيجي على الولايات المتحدة. بالتالي، يصبح الانفتاح على الصين أداة لتخفيف المخاطر، ومن غير المنطقي وصفه بالتوجه الكلي نحو بكين.

في المقابل، تدرك هذه الدول أن بكين تسعى بوضوح إلى استثمار هذا التصدع. الخطاب الصيني في دافوس، الذي قدّم الصين كشريك تجاري موثوق في مواجهة “النزعة الأحادية والحمائية”، يهدف إلى إعادة تموضع في لحظة تشهد تراجعاً في صورة الولايات المتحدة كقائد للنظام الاقتصادي العالمي. غير أن هذا العرض الصيني لا يُقابل في أوروبا بتلقٍّ غير مشروط. فالتجربة الأوروبية خلال العقد الماضي، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعة الثقيلة، عززت قناعة بأن الانفتاح الاقتصادي غير المنضبط يحمل مخاطر استراتيجية.

لذلك، يتقاطع الانفتاح الأوروبي على الصين مع تشديد متوازٍ على أدوات الدفاع التجاري، وضبط الاستثمارات، وحماية القاعدة الصناعية. ماكرون عبّر عن هذا التوازن حين أقرّ بأن أوروبا كانت “ساذجة” في فتح أسواقها دون ضمان المعاملة بالمثل، داعياً إلى استخدام آليات مثل مكافحة الإكراه الاقتصادي، وتشجيع الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية. هذه المقاربة تعكس سعياً أوروبياً إلى الجمع بين السيادة الاقتصادية والانفتاح، دون الانزلاق إلى منطق القطيعة أو الحرب التجارية.

التوجه الأوروبي لا يقتصر على باريس. فاستعداد لندن لإعادة ترميم علاقتها مع بكين، وزيارة رئيس الوزراء البريطاني المرتقبة للصين، إلى جانب التقارب الكندي الحذر مع بكين، تشير إلى نمط أوسع تتبعه القوى الغربية المتوسطة. هذا النمط يقوم على تنويع الشراكات وتقليص الاعتماد الأحادي، مع الحفاظ على التحالف الأميركي كركيزة أساسية.

لا تنظر الدول الأوروبية إلى التعاون مع الصين بوصفه حلاً شاملاً أو بديلاً استراتيجياً، انما كأداة ضمن مجموعة أدوات تهدف إلى إعادة التوازن في علاقة غير متكافئة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب. إنها محاولة لإعادة تعريف الموقع الأوروبي كفاعل اقتصادي مستقل نسبياً، قادر على التفاوض من موقع قوة أكبر، في نظام دولي يتجه بثبات نحو مزيد من التنافس، وأقل قابلية للاعتماد على قواعد ثابتة أو ضمانات طويلة الأمد.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

admin

موقع Wakala News يقدم أحدث الأخبار العالمية والعربية لحظة بلحظة، بتغطية دقيقة وموثوقة للأحداث السياسية والاقتصادية والتقنية حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى