75 مليار ليرة لبنانية هي قيمة سلفة الخزينة التي قررت الحكومة اللبنانية إعطاءها الى الهيئة العليا للإغاثة (يرأسها رئيس الحكومة حسان دياب) لتغطية نفقات تنفيذ الخطة الاجتماعية التي تعدّها وزارة الشؤون الاجتماعية، في مواجهة أزمة كورونا. حصل ذلك يوم أمس، أي بعد نحو شهر على التزام اللبنانيين منازلهم نتيجة انتشار الفيروس. المثير للضحك والبكاء في آن، أن هذه المساعدات الهزيلة لن تسلك طريقها الى العائلات، بل ستنتظر استكمال وزير الشؤون الاجتماعية خطته ليعرضها على اللجنة الوزارية فيتم عندها رصد الاعتمادات اللازمة، على ما أبلغتنا وزيرة الإعلام منال عبد الصمد يوم أمس. ونظراً الى الوتيرة البطيئة التي تسير فيها التحضيرات، فإن أي مساعدات لن توزع قبيل منتصف الشهر المقبل، وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً. فاللجنة الوزارية لمكافحة كورونا ناقشت مسألة تحديد «الأسر المحتاجة» يوم أول من أمس، واتخذت قرارها بأن يتم الأمر بالتسيق مع المحافظين والبلديات والمخاتير عبر ملء استمارات ذات معايير موحدة في كل المناطق. إلا أن الاستمارة لم توزع على البلديات حتى الساعة ولا تزال قيد التحضير، ويفترض بعد أن تتسلّمها البلديات، ثم تملأها، إعادتها الى وزارة الداخلية للتدقيق فيها، ثم مجدداً الى الشؤون الاجتماعية. وعلى أساسها يتم استدراج العروض أو إجراء مناقصة أو الاتفاق بالتراضي، ثم تكليف الفائز بتأمين الحصص لتسليمها الى الجيش اللبناني المكلّف بتوزيعها. هو مسار طويل جداً، نتيجة استهتار الحكومة بأمور المواطنين وعدم استتباعها التعبئة العامة بخطة إغاثة. لكن يبدو أن الحكومة المتنقلة ما بين القصر الجمهوري والسرايا الحكومية لا تشعر بالفقر المدقع والجوع اللذين أوصلا سائق سيارة أجرة الى إحراق سيارته. ولم تسأل نفسها لماذا خرج صاحب البسطة الذي يخاف على عائلته بالقدر نفسه الذي يخافون فيه هم على عائلاتهم، الى الطريق متحدّياً المرض لتأمين لقمة العيش لأولاده. فها هي تضيع المزيد من الوقت، مشددة على ضرورة التكافل الاجتماعي ومساعدة أحدنا للآخر و«أكل الزيتونة»، على ما قال وزير الداخلية محمد فهمي. جيّد، فليتفضل رئيس الحكومة والوزراء بأكل الزيتونة والتكافل مع اللبنانيين عبر مشاركتهم ما يملكون طالما أنهم هم المسؤولون المباشرون عن حرمان العائلات والأفراد من راتب عمل شهر كامل وشهر مقبل بعد تمديد فترة الحجر. لكن يبدو أن سعاداتهم يتقنون الكلام المعسول على المنصات، ويعملون بخلافه داخل الجلسات. إذ وقعت مشادة أمس بين بعض الوزراء من جهة، ووزير المال ورئيس الحكومة من جهة أخرى حول «آلية توزيع المساعدات». تحدث أكثر من وزير، كوزراء الصناعة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والعمل والإعلام والزراعة والصحة، عن ضرورة الإسراع في اتخاذ القرارات لإيصال المساعدات الى أكبر عدد من العائلات، «حتى لو شهد التوزيع أخطاء، ولو بنسبة تصل إلى 20%. فهذه الدفعة الأولى من المساعدات يجب أن تكون عاجلة. ولاحقاً نصحح في الدفعات الأخرى». وبرأي هؤلاء الوزراء، وغيرهم، أن الوضع الاستثنائي ورزوح نحو 45% من اللبنانيين تحت خط الفقر لا يسمح اليوم بإضاعة الوقت على التدقيق والتمحيص. لكنْ لرئيس الحكومة رأي مختلف في الموضوع ويفضل تجويع نحو 400 ألف عائلة للتدقيق بعائلة هنا ومستفيد هناك، كأنه لا يكفي الفقراء شراء صمتهم بالفتات، ليأتي من يمسك العصا وهو يستعطيهم حقوقهم. الى جانب ذلك، اقترح وزير الصناعة عماد حب الله دفع الدولة رواتب المياومين كالعادة بعد توقفهم عن العمل قسراً، طالما أن رواتبهم مشمولة بالموازنة، وخاصة بعدما ثبّتت الحكومة سعر صفيحة البنزين. وزير المال غازي وزني «الحريص» على مالية الدولة، اعترض فوراً لأن الاقتراح يحتاج الى دراسة كلفة وتوضيح أكثر. هل يوضح وزني كيف يمكن المياومين وغيرهم العيش بعدما منعتهم الحكومة من العمل؟في الوقت الذي تخصص فيه الدول الكبرى تريليونات الدولارات لشركاتها وأسرها وعمالها، وتسخّر الدول «المتوسطة» كل إمكاناتها لدعم صمود مواطنيها، لا تجد الحكومة أي صعوبة تحول دون اتخاذ قرار فرض ضريبة إضافية على اللبنانيين، من خلال تثبيت سعر صفيحة البنزين في ظل انهيار أسعار النفط عالمياً. اتخذت ذلك القرار بسرعة فائقة. لكنها تريد التدقيق بكل حبة رز تصل الى المواطن حتى لا تهدر المال العام! ويفترض بالمواطن بعدها أن تعتريه الفرحة الكبرى بهذه «المنحة» الاستثنائية. 75 مليار ليرة لبنانية مساعدات اجتماعية، أي نحو 180 ألف ليرة لبنانية لكل عائلة، إذا ما افترضنا أنها ستشمل 400 ألف عائلة؛ رغم أن خطة الشؤون الاجتماعية توصي بتوزيع سلل الغذاء ومواد التنظيف على 100 ألف عائلة وبقيمة 180 ألف ليرة للسلة، أي ما مجموعه 18 مليار ليرة فقط! «الفتات» هذا لن يكون متوفراً قبل شهر، ما يعني أن هذه سلّة مواد غذائية وأدوات تنظيف عن شهرين، وسط ارتفاع الأسعار بنحو 40%. الخطة «الإنقاذية»، التي يصفها بعض الوزراء بـ«الفضيحة»، بحاجة ماسة الى تعديل، إضافة إلى حاجتها للإسراع في تنفيذها. المطلوب، بحسب بعض الوزراء المعترضين عليها، البدء بتنفيذها فوراً، وأن تشمل على الأقل 500 ألف عائلة، ومضاعفة المبلغ المرصود حالياً.