وكأن كل ما يحصل مع لبنان مُخطّط له! نعم مُخطّط له لأن ما يحصل حاليًا هو خارج عن كل منطق عقلاني مع تأخير تشكيل الحكومة والتداعيات الكارثية على المالية العامة. كل فريق يضع شروطه ولا أحد يتنبّه إلى المخاطر التي تقترب أكثر فأكثر من الكيان اللبناني.

الحسابات السياسية التي تقوم بها بعض القوى السياسية في لبنان لا تأخذ بعين الإعتبار أن بقاء لبنان من دون حكومة يعني أن الخروج من الأزمة أصبح مُستحيلاً وأن الوصاية الصندوقية أصبحت حتّمية مع إعادة هيكلة الدين العام وبالتالي خسارة في قيمة الممتلكات والحسابات.

إنه لجرمٌ كبير أن يبقى لبنان من دون حكومة ولا نعرف من سيتحمّل المسؤولية التاريخية عمّا سيحلّ بلبنان. الشلّل السياسي للسلطة التنفيذية المُمثلة بالحكومة اللبنانية، يُلقي بتداعيات كارثية! البلد يسير نحو الهاوية ولا توجد حكومة لوقف هذا الأمر الذي أصبح شبه محتوم.

وكالة بلومبرغ وفي تحقيق لها، قامت بسؤال عشرات مديري محافظ إستثمارية وخبراء عن مُستقبل لبنان. كل هؤلاء توقّعوا من دون إستثناء إعادة هيكلة لديون لبنان السيادية لكن الأهم أنهم وضعوا التخبّط السياسي على رأس الأسباب.

كذلك فعل مصرف بنك أوف أميركي ـ ميريل لينش الذي أصدر تقريرًا البارحة جزم فيه أن المشاكل السياسية ترفع من مخاطر الهبوط العنيف للمالية في ظل نموذج إقتصادي ساقط بكل نواحيه. التقرير تحدّث عن حاجة مُلحّة للبنان لمساعدة مالية من الخارج لتفادي المحظور. إلا أنه إستبعد وصول مثل هذه المساعدة نظرًا إلى العامل السياسي الذي يمّنع مثل هكذا مُساعدات.

حسابات سياسية، فساد مُستشري… كلها عوامل تدّفع بلبنان نحو الهاوية وهذا أمر غير مقبول على كل الأصعدة. المطلوب اليوم قبل الغدّ تفضيل مصلحة الوطن على المصالح الشخصية والمصالح الخارجية.

لا يُمكن لمصرف لبنان، مهما كان نوع الإجراء الذي سيأخذه، من إستعادة الثقة المفقودة بسبب الفراغ الحكومي. لذا العنصر الأساسي في إستعادة هذه الثقة يبقى من دون أدنى شك حكومة مع سلّة إصلاحات شاملة.

لقد أصبح معروفًا أن لبنان يخضع لضغوطات سياسية كبيرة. هذه الضغوطات واكبها هلع كبير دفع باللبنانيين إلى سحب قسم من أموالهم من المصارف. وهذا الأمر حرم الإقتصاد من قسم من موارده المالية المحدودة مما سبّب في تراجع إقتصادي كبير مع تداعيات إجتماعية أتت لتزيد من عذاب اللبنانيين الذين يفتقرون إلى أدنى مستويات الأمن الغذائي والإجتماعي. كل ذلك بالطبع بسبب السياسات الإقتصادية للحكومات المُتعاقبة والتي لم تستطع إصلاح الوضع الإقتصادي وإنشاء ماكينة إقتصادية تتمتّع بأدنى مستويات الإكتفاء الذاتي!

كل شيء في لبنان مبني على ثنائية الإستيراد ـ الإحتكار. وهذه بعض الحقائق التي تسمح بوصف الوضع للأسف: 7 مليار دولار أميركي حجم إستيراد لبنان من المواد الغذائية وهو ما يُشكّل 80% من المواد الغذائية التي يستهلكها، 9 شركات تحتكر إستيراد المُشتقات النفطية بقيمة تتراوح بين 3 و5 مليار دولار سنويًا!، أكثر من 15 شركة تحتكر إستيراد الدواء مع فاتورة تتخطّى المليار دولار سنويًا!، 3 شركات تحتكر إستيراد الحديد!، شركة واحدة تحتكر إستيراد 1000 وكالة حصرية!

هذا الواقع يطرح السؤال: لماذا لم يتمّ إقرار قانون التنافسية حتى اليوم؟ ألا يستحق هذا الأمر أن يقوم القضاء بفتح تحقيق في هذا الأمر؟

إطار أسوّد خلّفته السياسات المُتبعة والتي خلقت إحتكارات من كل نوع. ولكي تكتمل الصورة قام الفساد بخلق منظومة التهريب الجمّركي الذي يُمارس على نطاق واسع! وكل من يقول العكس فإما لا يعرف الحقائق وإما متواطئ!

على كل الأحوال، ما زالت الفرصة مُتاحة أمامنا على الرغم من كل الصعوبات الموجودة. هذه الفرصة تتمثّل بتشكيل حكومة إختصاصيين مُهمّتها الوحيدة مُعالجة الوضعين الإقتصادي والمالي! وأي شيء أخر سيؤدّي حكمًا لتعطيل عمل هذه الحكومة.

إجتماعات هذه الحكومة يجب أن تكون يومية على شكل خلية أزمة تضع خطّة العمل في ظرف أيام محدودة وتبدأ العمل الفوري من إصلاحات مالية وإقتصادية. هل من الصعب علينا القيام بمثل هذا الأمر؟

هناك أكثر من عشرة مليارات دولارات متوافرة لحل مشاكلنا المالية والإقتصادية: 4 مليارات نائمة في المنازل وأكثر من 5 مليارات يُمكن للقطاع المصرفي والمُستثمرين وضعها على الطاولة. هذه الأموال كفيلة بتعديل إطار اللعبة وزيادة حظوظ الحكومة للخروج من هذه الأزمة.

عمل الحكومة الإقتصادي والمالي يُمكن أن يخضع لرقابة إختصاصيين خارجيين (من دون أي إنتقاص للسيادة اللبنانية) مثل صندوق النقد الدولي الذي بدل أن نطلب مُساعدته، سيقوم هو بمُساعدتنا عندما يرى أننا أصبحنا نسلك الصراط المُستقيم ومصلحة بلدنا فوق كل إعتبار أخر مهما كان نوعه.

إقتصاديًا وماليًا، المحاكاة الحسابية تُظهر أن الفرصة ما زالت سانحة لتفادي سيناريو إفلاسي (إعادة هيكلة الدين العام). برامج مساعدات صندوق النقد الدولي معروفة وشروطها معروفة، إذا لماذا لا نعمد إلى تنفيذها بأنفسنا بدل فرضها بقساوة على الشعب اللبناني؟

ولا يسعنا في النهاية إلى القول إن القرار السياسي يبقى المُتحكّم الأوحد باللعبة الإقتصادية والمالية وبدون إتفاق سياسي لا يُمكن تنفيذ أي شيء مما ذكرناه أعلاه.