الاستثمار الخارجي في الأزمة الإيرانية: آليات الفوضى وأهدافها
الاستثمار الخارجي في الأزمة الإيرانية: آليات الفوضى وأهدافها
شهدت إيران في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 موجة احتجاجات انطلقت من خلفية اقتصادية واضحة، تمثّلت بانهيار العملة وارتفاع الأسعار وتفاقم كلفة المعيشة، في ظل عقوبات دولية – ولا سيما الأمريكية – حدّت من صادرات النفط وقيّدت وصول طهران إلى الأسواق العالمية ومنظومة الدولار عبر النظام المالي الدولي. ومع تفاقم الأزمة، اتجه كثيرون إلى شراء الدولار والذهب بهدف الادخار، بينما برز احتجاج تجار البازار في طهران باعتباره أحد أبرز مظاهر هذا الضغط الاقتصادي، خصوصًا بعد قرار حكومي يتصل بإلغاء “العملة التفضيلية” ضمن حزمة إجراءات تهدف إلى ضبط تقلبات سعر الصرف وتخفيف أثر الانهيار. وإلى جانب ذلك، طرحت الدولة مسارات موازية مثل تقليل الاعتماد على الريع النفطي، وتعزيز الاقتصاد المقاوم، وتوسيع الشراكات مع الصين وروسيا، والانخراط في تكتلات بديلة كـ”بريكس”، وتفعيل التبادل بالعملات المحلية والذهب، بما يخلق هامشًا جزئيًا لفك الارتباط بالدولار وتداعياته.
لكن ما بدأ كاحتجاج اقتصادي، سرعان ما شهد تحوّلًا لافتًا في مساره، حين اخترقته قوى مرتبطة بالخارج وحوّلته إلى عملية أمنية ميدانية اتخذت طابعًا عنيفًا، تمثّل في أعمال شغب وحرق واعتداءات ومحاولات لإرباك مؤسسات الدولة. في تلك المرحلة، بدا أن السلطات الإيرانية تعاملت وفق سياسة ضبط النفس والاحتواء، إذ أُعطيت القوات الأمنية تعليمات واضحة بتجنب الاشتباك المسلح المباشر ما لم يصدر قرار معاكس، في محاولة للفصل بين الاحتجاج السلمي وبين العناصر التي عملت على دفع الشارع نحو الفوضى. كان هذا النهج جزءًا من خطة مدروسة هدفها الأساسي مراكمة المعلومات والتعرّف على الشبكات المحرّكة للعنف والقبض على قادتها بدل الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تزيد من اتساع الاشتباك.
وخلال نحو 11 يومًا، توسّعت رقعة الاضطرابات لتشمل محافظات متعددة، ورافقتها أعمال عنف استهدفت الممتلكات العامة وبعض المرافق الحيوية، إضافة إلى محاولات تعطيل عمل فرق الإطفاء والإنقاذ. يعتبر هذا التحول انتقالًا من حالة احتجاج إلى حرب شوارع محدودة تديرها عناصر مدرّبة، بما يعكس طبيعة “العملية الإرهابية” أكثر من كونه حراكًا شعبيًا عفويًا. وفي موازاة ذلك، تصاعدت المعركة الإعلامية والنفسية، حيث استفادت الجهات الخارجية من عدم قطع الإنترنت في الأيام الأولى لنشر محتويات مكثفة عبر وسائل التواصل، بعضها قديم أو مفبرك أو مجتزأ، بهدف صناعة صورة ذهنية مضخّمة تسبق الواقع وتؤثر على المزاج العام، ضمن ما يُعرف بالحرب الإدراكية واستهداف المعنويات والثقة بالمؤسسات.
ضمن هذا السياق، أصبح هدف “العدو الخارجي” الضغط على إيران وصولًا إلى تطويعها سياسيًا أو فرض مسارات تفاوضية بشروط قاسية، أو الذهاب أبعد نحو محاولة “كسر النظام” عبر تفكيكه من الداخل، باعتبار ذلك أكثر فعالية من الضربة العسكرية المباشرة. رافق ذلك سلسلة مواقف وتصريحات غربية وأمريكية وفّرت غطاءً سياسيًا وتحريضيًا للتصعيد في الشارع، بالتوازي مع حالة ترقّب إسرائيلية وإدارة إعلامية للأزمة تسعى إلى تصوير ما يحدث كأنه انهيار وشيك. كما برز دور بعض رموز المعارضة الخارجية، وفي مقدمتهم رضا بهلوي، الذي حاول استثمار اللحظة عبر تقديم نفسه كقيادة بديلة، وإطلاق دعوات متكررة للتظاهر وتنظيم ما سُمّي “فراخوان” في ساعات محددة، إلا أن الاستجابة بقيت محدودة ميدانيًا مقارنة بالضجيج الكبير على الإنترنت.
أمام هذا التحول، اعتمدت الدولة الإيرانية مراحل متعددة في المعالجة. ففي المرحلة الأولى، غلب نهج الاحتواء واستيعاب المطالب الاقتصادية، من خلال إظهار استعداد للتفاوض والبحث عن حلول، واتخاذ إجراءات إدارية كعزل مدير البنك المركزي، إضافة إلى خطوات تخفيفية تمثلت بزيادة الدعم النقدي المودع في بطاقات ائتمان مخصصة للسلع الأساسية. أما في المرحلة الثانية، ومع اتساع أعمال العنف وظهور شعارات تتجاوز الاقتصاد باتجاه إسقاط النظام، ارتفع سقف المواجهة تحت عنوان الحفاظ على الأمن والاستقرار، وتضافرت جهود الحرس الثوري والباسيج والشرطة، مع استمرار استراتيجية القبض على العناصر المحرّكة دون الانجرار إلى اشتباكات واسعة، وبالتوازي مع رصد شبكات تهريب السلاح والاتصال والتجسس.
وفي المرحلة الثالثة، انتقلت الدولة إلى الحسم بعد تحقيق قدر كبير من الكشف الميداني، حيث جرى قطع الإنترنت لاحقًا، وتعطيل محاولات تشغيل “ستارلينك“، ثم تحركت القوى الأمنية والعسكرية باتجاه إنهاء المواجهة سريعًا عبر حملات اعتقال واسعة، وتفكيك خلايا وغرف عمليات مرتبطة بالكيان الصهيوني. وتعتبر هذه المرحلة لحظة مفصلية ساعدت فيها القيادة السياسية والدينية، وكذلك التجانس بين المؤسسات الرسمية والحالة الشعبية المؤيدة، على طيّ صفحة الاضطرابات خلال فترة قصيرة نسبيًا.
ومع انحسار التوتر، برزت المرحلة الرابعة المتمثلة في خروج تظاهرات شعبية داعمة للنظام، انطلقت بدافع رفض التدخل الخارجي وتأكيد الثقة بالدولة في مواجهة مشاريع “الفوضى الخلاقة”. وتلفت الرواية إلى أن اتساع المسيرات الداعمة في مدن عدة شكّل عامل توازن داخليًا، وأضعف من قدرة المعارضة على بناء زخم ميداني مستدام، خصوصًا بعد انكشاف مسار العنف وتداعياته.
وفي تقييم فعالية إدارة الأزمة، تشير المعطيات إلى انخفاض ملحوظ في وتيرة الاحتجاجات بعد الثامن من كانون الثاني/يناير، ويرتبط ذلك بعدة عوامل داخلية وخارجية. داخليًا، تماسكت بنى الدولة ووحدة التيارات السياسية في مواجهة التهديدات، وغابت قيادة معارضة جامعة، ما أدى إلى افتقار البديل السياسي المقنع، وتطورت القدرات الأمنية وسرعة الحسم، إضافة إلى ارتفاع مستوى الوعي الشعبي والتفاف قطاعات واسعة حول النظام. أما خارجيًا، فقد تراجع الزخم فنشغلت الولايات المتحدة بأزمات أخرى، وارتفع القلق الإقليمي من تداعيات الفوضى على المنطقة، وتآكلت مصداقية الجهات المشغّلة، فضلًا عن إدراك الإيرانيين لدور العقوبات والضغط الاقتصادي في تأجيج الأزمة.
وفي الخلاصة، لم يكن ما جرى مجرد احتجاج اقتصادي عابر، بل محطة صراع مركّب تداخلت فيه الأزمة المعيشية مع الاستثمار الخارجي والحرب الإعلامية والأمنية، ونجاح الدولة في احتواء المسار ثم الحسم، ترافق مع استعادة مشهد الدعم الشعبي كعامل حاسم في إفشال الأهداف المعلنة أو المضمرة للخصوم. ومع ذلك، يبقى الباب مفتوحًا أمام احتمالات تجدد محاولات الاختراق عبر البحث عن ثغرات جديدة، خصوصًا مع استمرار الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية الغربية، لكن هشاشة الأدوات الخارجية وضعف قابليتها للتجدد في الداخل الإيراني، مقابل تماسك الدولة ومحدودية قبول مشروع الفوضى، قد يجعل محاولات التكرار أقل فاعلية، وإن لم يمنعها من العودة بصيغ مختلفة.
■ مصدر الخبر الأصلي
نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com
تاريخ النشر:
الكاتب:
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



