#الإنسان #يستعين #بالخيال #لتعويض ما هو #مفقود في #حياته

0 7

التخيل مستودع إنساني ينقل المرء مـن اللذة إلى الواقع، والإبداع نشاط عقلي ووجداني للهروب إلى عالم غير واقعي.

يصوّر الخيال عادة كونه عملية عقلية معقدة تشترك فيها الذكريات والخبرات السابقة والصور التي اشتقت منها، لتكوين واقع متخيّل قد يعبّر عن المستقبل الذي يرضي طموحات وخططا مستقبلية وكل ما يمكن أن يتمناه المرء، أو يمكن أن يكون الخيال إعادة لتشكيل الماضي بطريقة تتناسب أكثر مع رغبات الإنسان. يتخذ خيال الإنسان أشكالا مختلفة، منها ما يكون في استدعاء الذكريات وهو ما ينجم تحديدا عن الذاكرة، وهناك خيال بعيد كل البعد عن الواقع يعرّفه البعض على أنه أحلام يقظة يتمثل في أمنيات أو رغبات لم يتم تحقيقها بعد أو أن تحقيقها بعيد عن الواقع.

 

يستمد المبدعون أفكارهم وتصوراتهم لتشكيل أسس الأعمال الفنية خاصة ما يتعلق منها بالكتابة الإبداعية من الخيال الإبداعي فهو الخيال المنتج. ويؤكد د. نيل بيرتون؛ طبيب نفسي وكاتب بريطاني، أن الخيال يتداخل مع عدد من البنى المعرفية الأخرى بما في ذلك؛ الاعتقاد، الرغبة، العاطفة، الذاكرة، الإيمان والتصور.

 

أما الإيمان فيهدف إلى تحقيق الواقع بينما تهدف الرغبة إلى تغيير الواقع، في حين أن هدف العاطفة هو التواؤم مع الواقع ثم إن الخيال قد يشترك مع الذاكرة كونه يتضمن صورا بعيدة من الماضي، إلا أن الذكريات أكثر حيوية من الخيال لأنها تضرب جذورها في الواقع لتقود الفعل في ما بعد، في حين تبقى الخيالات عالقة في منطقة ما من التفكير الذي يعتمد على العاطفة في المقام الأول، وقد لا يكون له هدف محدد أو غاية بحد ذاتها.

 

ويرى بيرتون، مع ذلك، أن كل ما نتخيله ليس بالضرورة أن يكون تحقيقه مستحيلا، إذ أن الخيال بشكل ما يكون مشتقا من الواقع في طريقة بنائه وأبعاده، وإلى وقت قريب، لم تضع بعض المجتمعات البشرية حاجزا ظاهرا بين ما هو متخيل وما هو واقع أو بين الخيال والمعتقد، بيد أن الخيال هو الميزة الواضحة للنوع البشري حصرا وهذا لا ينفي في الوقت ذاته أن هذا الخلط هو مصدر بعض المصاعب التي يعاني منها بعض الناس المعرضين للاضطرابات النفسية، حيث يميلون إلى تبني الخيال لتخفيف وطأة الحياة الواقعية والتعقيدات التي يواجهونها في حياتهم.

ويبدأ الأطفال في عمر 15 شهر تقريبا، ممارسة لعبتهم المفضلة بالتظاهر بوجود أشياء غير حقيقية ورسم سيناريوهات أحداث بسيطة وفق ما يمليه عليهم خيالهم، بما قد يتجاوز خبرتهم المحدودة، ثم تتطور هذه المقدرة للتخيل حيث يسعى الطفل لفهم العالم الذي يحيط به وإيجاد مكان ملائم له. وهذه هي في الغالب الطريقة التي يتم من خلالها صنع المعنى، وهي صورة مليئة بالفرح والإثارة والمشاعر الجياشة.

 

وفي صنعنا للخيال، كما هو الحال في الأحلام، فإننا نعطي الشكل والنمط والأهمية للأشياء ومن دون القيام بهذا العمل لتفسير وإيجاد معنى لعالمنا، فإن الأمر لا يتعدى أن يكون مجرد تدفق لانهائي وعشوائي للانطباعات والمشاعر، كما هو الأمر مع من يفتقد إلى ملكة التخيّل من دون أي أمل للهروب من الواقع.

 

ويؤكد بيرتون أننا نستخدم الخيال لإتمام عالمنا الواقعي من خلال استحضار الأجزاء المفقودة فيه، وفي العلم كما هو الحال في الفنون المختلفة، تتطور الحقائق العلمية من خلال فرضية وهي نتاج الخيال الذي يجعل من المعرفة قابلة للتطبيق على الواقع فهو يفتح الطريق على الاحتمالات، وبمجرد اختبار الفرضيات وتجريبها الواحدة تلو الأخرى تصبح لدينا مجموعة من الإثباتات التي تتحول إلى وقائع وممكنات.

 

فالكثير من إخفاقاتنا وبعض نجاحاتنا أيضا هي إخفاقات ونجاحات بدأت في الخيال. ومن دونه، لا يمكن أن تكون هناك سخرية أو روح دعابة، لا ماض أو مستقبل ولا يمكن أن تكون هناك لغة على الإطلاق فالكلمات في اللغة ما هي إلا تمثلات جزء كبير منها متخيل. كما أننا بغير الخيال لا يمكننا أن نشعر بما قد يفكر به الآخرون، أو طبيعة ردود أفعالهم.

 

ومن جانب آخر، تؤكد نظرية التحليل النفسي أن المبدع يعمد إلى الابتعاد عن الواقع إلى حياة وهمية، من خلال الخيال، بطريقة تسمح له بالتعبير عن الدوافع اللاشعورية التي لم يستطع إشباعها في حياته الواقعية، وهكذا يصبح الإبداع تعبيرا عن دوافع لاشعورية مرفوضة اجتماعيا في أساسها لتحويلها إلى صورة يقبلها المجتمع.

 

وكل عمل فني من وجهة نظر هذه المدرسة، ما هو إلا إشباع لخيالات الفنان اللاشعورية يلجأ إليها كتعويض عن الواقـع الذي ينشده ولا يستطيع الوصول إليه والفنان في نظر فرويد مثلا، هو إنسان محبط فـي الواقع تنقصه الوسائل لتحقيق رغباته ومطالبه فيلجأ إلى التسامي لتحقيق رغبات في عالم مــن خياله وأعماله الفنية الإبداعية.

 

وينظر علم النفس إلى عالم الخيال وكأنه أشـبه بالمستودع الـذي يـتم تكوينـه أثنـاء عمليـة الانتقـال مـن مبـدأ اللذة إلى الواقع، في حين ينظر إلى مصدر الإبداع على أنه اللاشعور الشخصي كما ذهب إلى ذلك فرويد أو اللاشعور الجمعي كما يراه يونغ.

 

ويـرى يونغ أن الفـن فـي المقـام الأول نـشاط هروبي يقوم على خيال غير واقعي، كما ينظر للفنان على أنه شخص انطوائي من الناحية المبدئية وبالتالي فهو ليس بعيدا عن العصاب، إذ تتملكــه حاجات غريزية تجبره على أن ينسحب من الواقع لأنه لا يمتلك الوسائل لتحقيقها. لهذا يلجأ إلى تحويل كل اهتماماته ونشاطه إلى عالم خيالي يعبر عن الرغبة وهو طريق قد يؤدي في مرحلة ما إلى العصاب.

المصدر: العرب اللندنية – نهى الصراف

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.