صحافة

إيران التي تحدت العقوبات

إيران التي تحدت العقوبات

يحاول الخطاب الغربي في كل مرة يذكر فيها إيران، أن يقدمها بوصفها دولة محاصرة اقتصادياً، معزولة، منهكة، تعيش على حافة الانهيار. غير أن المفارقة أن هذه الصورة تُعاد منذ أربعة عقود تقريباً، فيما الدولة نفسها ما زالت قائمة، ومؤسساتها تتوسع، ونفوذها الإقليمي يتراكم، وقدراتها التقنية تتقدم. فبالرغم من العقوبات التي فرضت على كامل أركان الجمهورية الإسلامية استطاعت إيران تحويلها إلى عامل إعادة تشكيل داخلي بدل أن تكون أداة لإسقاط النظام كما يسعى الأعداء.

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فُرض على إيران نموذج حصار متعدد الطبقات مالي، مصرفي، نفطي، علمي، وحتى طبي. ولم يكن الهدف حينها “تعديل سلوك سياسي فقط”، بل منع قيام نموذج مستقل خارج المنظومة الغربية في واحدة من أهم مناطق العالم. أي دولة نامية من المتوقع أن تنهار تحت هذا الضغط خلال سنوات قليلة. لكن ما حدث في الحالة الإيرانية كان معاكساً.

حيث دفعت العقوبات طهران نحو خيار الاكتفاء الذاتي الذي كان هدفه استمرار ايران ودورها الذي كان مهما وضرورياً. وعندما مُنعت آنذاك الشركات الغربية من بيع قطع الغيار للطائرات الإيرانية، أنشأت إيران صناعتها الجوية للصيانة والتصنيع الجزئي وبعد عدة محاولات نجحت في تطوير برنامجها الخاص. وعندما حُظرت عليها التكنولوجيا النفطية، طوّرت معداتها الخاصة لاستخراج النفط والغاز، حتى أصبحت اليوم من الدول القليلة القادرة على إدارة دورة الطاقة كاملة محلياً. أما في القطاع الزراعي، فقد تحولت من بلد يستورد القمح بكميات كبيرة إلى بلد يقترب دورياً من الاكتفاء فيه، رغم المناخ الصعب وشح المياه.

القطاع الأبرز كان الصناعات العسكرية. فالحظر الشامل على السلاح حرم إيران من أبسط احتياجات الدفاع، خصوصاً بعد الحرب المفروضة التي كشفت هشاشة الاعتماد على الخارج. حينها صممت إيران مجموعة صناعات عسكرية كاملة تشمل صواريخ بالستية، دفاعات جوية، طائرات مسيّرة، وزوارق بحرية سريعة. اليوم لا تُقاس هذه القدرات فقط بامتلاكها، بل بقدرتها على الردع؛ إذ تحولت تكلفة استهداف إيران إلى أعلى بكثير من أي مكسب محتمل، وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي لدولة تحت نير العقوبات.

الأمر نفسه تكرر في قطاع التكنولوجيا. خلال العقوبات المالية القاسية التي قطعت إيران عن نظام التحويلات العالمي، حيث طورت منظومات دفع داخلية رقمية بديلة، ووسعت اقتصادها عبر موارد بديلة، ونمت شركات المعرفة المحلية، خصوصاً في النانو تكنولوجي والطب الحيوي. ففي جائحة كورونا، وبينما كانت تعاني ايران من صعوبة الحصول على اللقاحات، أنتجت لقاحاتها محلياً، وهو قرار سيادي.

هذه التجربة صنعت نمطاً اقتصادياً مختلفاً: اقتصاد لا يعتمد على الوفرة بل على إدارة الندرة. وهنا يكمن جوهر الصمود الإيراني. فالجمهورية الاسلامية لم تنتظر رفع العقوبات كي تعمل، بل عملت في ظلها. وهذا ما أفشل الرهان الأميركي التقليدي القائم على أن الضغط الاقتصادي سيؤدي حتماً إلى انهيار اجتماعي ثم سياسي.

لكن المسألة لم تكن اقتصادية فقط. جزء كبير من المواجهة كان نفسياً وإعلامياً. فواشنطن لم تكتف بالعقوبات، بل رافقتها حملة مستمرة لشيطنة النظام بوصفه “غير قابل للحياة، وعدواً لشعبه أولاً وللمنطقة ثانياً”. غير أن ما حدث كان معاكساً فكلما اشتد الحصار، ازداد تمسك جزء واسع من المجتمع الايراني بفكرة الاستقلال، حتى لدى منتقدي النظام أنفسهم. بمعنى آخر، العقوبات أضعفت الاقتصاد لكنها عززت الهوية والانتماء وصورة الجمهورية الاسلامية كمرجع للعديد من الدول.

إقليمياً، انعكس ذلك على توازنات المنطقة. فقبل الثورة، كانت إيران إحدى ركائز المنظومة الغربية في المنطقة، ومرتكزاً أمنياً غير مباشر ل “إسرائيل”. بعد الثورة بقيادة الامام الخميني، خرجت من هذا الدور وتحولت إلى قوة رافضة للهيمنة، ما فتح المجال أمام تشكل محور سياسي وعسكري جديد في المنطقة غيّر قواعد اللعبة وأعلن عداءه المطلق لكيان الاحتلال وتم الاعلان عن يوم القدس اعترافا بحق الشعب الفلسطيني الكامل.

من هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي على استمرار العقوبات. فالمشكلة مع ايران لم تعد البرنامج النووي بقدر ما أصبحت نموذج الدولة القادرة على العيش خارج النظام الغربي. لأن نجاح هذا النموذج مرة بعد أخرى وقدرته على اثبات نفسه شكل سابقة خطرة في نظر واشنطن، لأنه يقدم مثالاً لدول أخرى بأن الاستقلال ممكن وإن كان مكلفاً.

إيران أثبتت أن الحصار والعقوبات والضغوطات لا تؤدي إلى تحقيق مآرب العدو طالما أن هناك عزيمة على الاستمرار والتقدم بالامكانات البسيطة.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

admin

موقع Wakala News يقدم أحدث الأخبار العالمية والعربية لحظة بلحظة، بتغطية دقيقة وموثوقة للأحداث السياسية والاقتصادية والتقنية حول العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى